كل مايتعلق بالبرنامج التربوي الرسالي لحركة التوحيد والإصلاح المغربية.
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة الأولى ذ. محمد قورة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة الأولى ذ. محمد قورة   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:07 am

بسم الله الرحمن الرحيم

I- توطئة:

إن حالة الضياع والتيه التي تعيشها الأمة الإسلامية, وإن انسياب صفة السلبية على نخبها - بما في ذلك بعض طلائع الحركة الإسلامية -, في مقابل الهجمة الشرسة على مقدراتنا ومقدساتنا, ومع الحرب الشاملة المعلنة علينا باسم مواجهة الإرهاب..إن هذا وغيره يستدعي تفجير طاقات الأمة, وتحرير أبنائها من الوهن والانتظار.

هذه الورقة مساهمة متواضعة في فك لغز التراجعات, ومحاولة لفرملة الإخفاقات. ترى الأمل فيما رأته الأمة في الحركة الإسلامية كمفتاح خير وصمام أمان. لذا ستحاول تشخيص حال هذه التجارب الحركية و الوقوف على نقائصها, بنية التصحيح والتطوير, حتى يتأتى لها القيام بواجب الإحياء والنهوض. كما أن هذه الورقة محاولة للتذكير بالتكليف الرباني الذي أنطنا به, المتمثل في الشهود الحضاري, القائم على الدعوة والتبليغ. مبينة أهمية ذلك في الانفتاح على باقي الشعوب والأمم, وإنقاذ البشرية بسيادة التوحيد الرباني.

II- محاولة للتشخيص:

1- واقع الإنسانية:

الإنسان هو أكبر ضحية للحضارة الغربية, بسبب الفساد الشامل الذي أصاب التصور والسلوك, والخراب المهول الذي أحاط بالكون. لقد حاول الغرب الإجهاز على ما تبقى, عندما حرك آلة العولمة ليهيمن على الآخر ويقصيه, فيبقي على الرأي الواحد والقطب الأوحد. إن العولمة ظهرت بقيمها وأخلاقها الجاهلية لتأتي على أخلاق السماحة والتعايش, من الأكيد أنها كرست - كما يطبل لذلك دعاة الحداثة - قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان... لكن بمقاس الغرب وحسب شهوة القوي المتغلب. كما لا ننسى دور اللوبي الصهيوني في الغرب وأغلب اليهود في العالم, وما يقومون به لتجريد الإنسان من إنسانيته حتى لا يتهم اليهود وحدهم بتجردهم من القيم غير المادية, وحتى يغرقوا البشرية كلها في وحل مستنقع الشهوات والشيطنة... فتنحصر عنده كل اهتماماتها وتبدر عليه كل طاقاتها, معتقدين أن هذه أيسر وأضمن سبيلا لهم لتدمير البشرية وإخضاعها لدرجة حبوها وانبطاحها على عتبات بني صهيون.

2- حال الأمة:

إن الأمة الإسلامية التي سادت العالم وأظلت الكون بحضارتها, فكانت لها قرون من الريادة العلمية وتاريخ من الملاحم الكبرى, هي اليوم تعيش أحلك أيامها, حيث تكالبت عليها الأمم واخترقتها قوى الشر لتحول بينها وبين الحق, وتشيع فيها الضلالات والشبهات والفتن والشهوات. فتقطع العالم الإسلامي إلى دويلات لا تملك مقومات التمكين والسيادة, واختلف أبناء الوطن الواحد وتفرقوا, حتى أصاب جسد الأمة الوهن, وأصبحت الغثائية سمة والتبعية مخرجا. " فأمتنا الإسلامية واجهت في تاريخها الحديث, وهي في وضع العطالة الحضارية بعضا من التحديات ذات الشأن. نذكر منها ما تعرضت له من استعمار مباشر من قبل الغرب المسيحي في القرن الماضي وأوائل هذا القرن. وهو الاستعمار الذي أذلها إذلالا, بل واستهدف وجودها كأمة إسلامية. وكذلك ما تعرضت له اليوم من هيمنة شاملة من قبل قوى الاستكبار, تستهدف تحطيم مقومات هويتها, واستنزاف مقدراتها المادية وتوجيه مواقفها في إذلال مشهود, وذلك ما تنطق به الأحداث اليوم صباح مساء "[1>. " ويمثل زرع المشروع الصهيوني وسط الأمة الإسلامية – كأحد تداعيات الحقبة الاستعمارية – واحدا من أكبر تحديات المسلمين المعاصرة الذي لا سبيل إلى حله سوى طريق الجهاد الذي شرعه رب العالمين سبحانه وتعالى, لأسباب معتبرة يقف على رأسها طبيعة المشروع الصهيوني من حيث إنه مشروع عنصري استيطاني استعماري عنفي "[2>.

إن أعداء الأمة لن يهدأ لهم بال حتى يحققوا مآربهم المتمثلة في التوسع والنهب والعنف من جانب, والتضليل والكفر من جانب آخر. لأن" الذي يكفر لا يستريح لوجود الإيمان في الأرض, ووجود المؤمنين, ولا بد له من عمل وسعي, ولا بد له من جهد وكيد ليرد المسلمين إلى الكفر... إن الذين يحاربون حقيقة الإيمان أن تستقر في القلوب.ويحاربون منهج الإيمان أن يستقر في الحياة, ويحاربون شريعة الإيمان أن تستقر في المجتمع...إنما هم أعدى أعداء البشرية, وأظلم الظالمين لها "[3>.

ويمكن إجمال انعكاسات هذه الهجمة على واقع الأمة في النقط التالية :

" * تراجع منطق الأمة لصالح منطق القوم والقبيلة والعشيرة لتصبح العقلية التجزيئية القطرية بأبعادها الحدودية والترابية والقومية والجغرافية هي المحدد الأساسي .

* التمكين للنزعة العلمانية ونداءات الفصل بين الدين والسياسة...

* تفشي الاستبداد... وضمور نفوذ المجتمع المدني وخاصة نفوذ العلماء والفقهاء وممثلي إرادة الأمة...

* وفاء الدولة القطرية لذيليتها وتبعيتها للغرب على الصعد الاقتصادية والاجتماعية و السياسية والثقافية..."[4> .

3- طلائع الأمة:

إن قرون التيه والانحطاط التي تعاقبت على الأمة, خلقت جيلا في غالبيته متغربا منهزما, تائها تدروه الرياح دون ثوابت تشده, وتتقاذفه تيارات الشرق والغرب بعقائدها الضالة وقيمها الشاذة. كما زاد من تبعيته التحكم الغربي في طاقات الأمة الفكرية والعلمية, بمعية شردمة من العلمانيين الوصوليين الذين مكنوا لدخول المستعمر من النافذة بعد خروجه من الباب, فضيعوا الاستقلال الذي أنجزه الوطنيون الأحرار بجوهرهم الإسلامي الجهادي.

لكن شروق شمس الصحوة الإسلامية التي مثلت صلحا مع الذات وجسرا نحو ثوابت الأمة يحيي الأمل في القلوب. فتبدأ بوادر التحرر بالتصحيح والتجديد لإزالة ركام عصور الانحطاط ومخلفات الاستعمار. ثم يظهر التأطير التنظيمي الحركي لهذه الصحوة, فيجمع الطاقات ويرشد الزخم. وينطلق الفعل والمراكمة, وتتعدد الاجتهادات وتكثر المحاولات حتى يضيق صدر الأعداء من بوادر حالة الإحياء الجديدة للأمة. مما يضطرهم إلى الرفع من إيقاع المؤامرة واتساع دائرة المواجهة.

مما سيفتح الحركات الإسلامية على واقع جديد يحمل معه الكثير من التحديات, والعديد من الأسئلة المقلقة؛ تكشف معها الرغبة في المراجعة وتصحيح الذات وإعادة تشخيص الواقع على ضوء ما استجد. فيبدأ الأخذ والرد الاجتهاديين الفكريين, ويعود المد والجزر الميدانيين, حتى يتراوح الحال بين الانفتاح والانكماش في العلاقة بالواقع, وبين التوثر والتعايش مع الآخر.

4- خلاصة:

إننا نعيش لحظة عصيبة من تاريخ أمتنا, بكل تداعياتها :

- هجمة شاملة على الأمة تستهدف كل شيء: الأرض والإنسان والقيم... وبمسميات عدة : صراع الحضارات, الحرب الصليبية, مواجهة الإرهاب...

- أمة منقسمة على نفسها, بعيدة عن منهج ربها.

- صحوة إسلامية تتلمس طريق النهوض والصلح مع الثوابت, بإطارات إسلامية مخلصة ربانية تمثل أمل المستقبل- إن وفقت في تقييم وتقويم أدائها وبرامجها وأولوياتها -.

-----------------------------------------

[1>د. عبد المجيد النجار – عوامل الشهود الحضاري- ص228

[2> وثائق الحركة من أجل الأمة – رسالة البصيرة- ص25

[3> أحمد فائز – طريق الدعوة – ص117 وص118

[4>وثائق الحركة من أجل الأمة – رسالة البصيرة – ص25 وص26 بتصرف.


عدل سابقا من قبل المشرف في الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:27 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة الثانية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:09 am

III- التكليف الرباني دافع الإحياء والنهوض:
إذا كانت صورة العالم عموما, والعالم الإسلامي خصوصا قاتمة السواد, فإن فيها من البياض- وإن قل – ما يزرع الأمل, ويبدد أماني الأعداء, وتشاؤم المتساقطين والمنبطحين من بني جلدتنا. فبشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يعد فيها بالبقاء والاستمرار والظهور لأمته بقوله (ص): ‹ لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة ›[5>, لتشيع الأمل والتفاؤل, ولتحيي في النفس زخما من الهمة والعزم- و ذلك من جنس عقيدة التوحيد-. كما أن التحديات الكبرى الحاصلة تجعلنا نجزم بأمرين اثنين: الأول, أن كل أبناء الأمة معنيون بالمعركة التي تحاك ضدهم, وليعتقد كل منا أنه يقف على ثغر من ثغور المواجهة, وبالتالي فإن أي تقصير منه ستترتب عنه هزائم ونكسات. أما الثاني, فمفاده أن هذه المخاطر المترتبة عن التقصير لن تطال القاعدين والمدبرين فحسب, بل ستحرق القاصي والداني من أمتنا, واليابس والأخضر من ديارنا, ما لم نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وندعو إلى الخير, سألت زينب (رض) رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‹ أنهلك وفينا الصالحون, قال: نعم إذا كثر الخبث ›[6>. وقال سبحانه وتعالى: ? وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون? هود/117, وشتان بين الصالح والمصلح. فعن حذيفة ( رض) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‹ والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم›[7>. وعن أبي بكر الصديق أنه صلى الله عليه وسلم قال: ‹ إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه ›[8>.
فبانحصار الحق يمتد الباطل ويستشري الفساد, فيندفع أهل الخراب دون اكتراث أو حسبان, ليشكلوا قافلة التمكين للشيطان وأعوانه, والعدو وعملائه. ونجزم أن لا مخرج من ذلك سوى بيقظة وتحصين, وهجوم يسلط فيه الحق على الباطل فيدمغه, ومرابطة في كل الجبهات مع الثبات على المبدأ, لأن " بغياب موسى (ع) يظهر السامري " كما يقال. إنه التدافع المبني على الفعل الإرادي الذي يسعى لتغيير موازين القوى لصالح الحق باليد والكلمة... أي بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... ? و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ? البقرة/251؛ لهذا يجب التأكيد على أن " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي, يتعلق عينا بذمة كل فرد من أفراد الأمة في هذا الزمان "[9>, و نفس الحكم الشرعي يسري على باقي التكاليف كالدعوة مثلا, لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفصيل لدعوة الخير, كما بين ذلك الرازي. وليس تطوعا يقوم به المرء متى شاء وكيفما شاء, وإنما هو تكليف صارم وجازم لا مفر من أدائه. وليس الدافع لإتيانه لذة ذاتية, وإنما أمر علوي مصدره الخالق تعالى,لا يمكن التفلت منه ولا التردد فيه. يقول عز وجل ? قل إني لن يجيرني من الله أحد, ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته? الجن/22. كما أنه تكليف بمهمة سامية لا تقف عند حدود الزمان والمكان, فهو يستهدف الكون كله, ويستغرق العمر كله, حيث يمتد حتى الآخرة بالحساب والجزاء, لأنه مظهر من مظاهر العبودية والتوحيد. لهذا على المسلم المكلف ألا يذخر جهدا للانطلاق نحو الكمال في الأداء ? قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت و أنا أول المسلمين? الأنعام/164و165.

1- التكليف مسؤولية الفرد و الجماعة:

? وتعاونوا على البر و التقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ? المائدة/2

أما عن كيفية النهوض بهذه الأمانة, فيجب التأكيد على أن " التكليف ليس له مظهر فردي فحسب، بل له وجه جماعي أيضا, وهو ما يدفع إلى حشد جماعي يلتف فيه المؤمنون حول بعضهم, و يتوجهون في نفس الآن إلى الناس ليدخلوهم في رحابهم كي يكون أداء الأمانة الجماعية أكفأ "[10>. إن الأداء الجماعي أكثر بركة ومردودية, حيث فيه تكثف الجهود وتوزع المهام, ويختزل الوقت ويسهل التحكم, قال صلى الله عليه وسلم ‹عليكم بالجماعة, وإياكم والفرقة, فإن الشيطان مع الواحد, وهو من الإثنين أبعد, من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة›[11>, وقال الله سبحانه وتعالى: ?واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا...?آل عمران/103... وإن من فضائل " هذا المعنى الجماعي للتكليف أنه ينشئ في المكلف بعدا من الرعاية للآخرين من الناس و المسؤولية عنهم مسؤولية أدبية "[12>. إلا أن هذا التفضيل للفعل الجماعي, لا ينقص من أهمية البعد الفردي في العملية. إذ أكدت التجارب عبر التاريخ, أن من الشخصيات من كانت تشكل أمة بذاتها, أو قطرة الغيث بتوفيق من الله تعالى, بعد أن تحقق فيهم أمر الله ?ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون? آل عمران/104. وإن سير الرسل والأنبياء (ع) والصحابة والعلماء والدعاة والمصلحين... (رض) غنية بالأمثلة الكبرى على ذلك.

سبقت الإشارة للحكم الشرعي من التكليف, تبين عندها أنه واجب شرعا يتعلق عينا بذمة كل فرد من أفراد الأمة, وقد رجح العلماء هذا الحكم عندما يتعذر على بعض الأمة القيام به, وعندما يستشري الفساد و يضعف جسد الأمة, وتكبر المؤامرة, بينما يكون التكليف فرض كفاية في حالة تمكين الأمة واستواء أمرها وقيام دولة الإسلام, ونشوء مؤسسة الحسبة, واستقلال مؤسسة العلماء وجهاز القضاء. قال الشافعي في الرسالة: " وهكذا كل ما كان الفرض فيه, مقصودا به قصد الكفاية, خرج من تخلف عنه, من المأثم, ولو ضيعوه معا, خفت, أن لا يخرج واحد منهم, مطيق فيه, عن المأثم, بل لا أشك- إن شاء الله- لقوله: ? إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ?التوبة/39, قال: فما معناه؟ قلت: الدلالة فيها, أن تخلفهم عن النفير كافة, لا يسعهم, ونفير بعضهم, إذا كانت في نفيره كفاية, يخرج من تخلف من المأثم, إن شاء الله "[13>. لهذا ف" إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره عملا إصلاحيا وجهاديا, لا يمكن أن يكون له وضع تشريعي قار, باعتبار أن الفساد يزيد و ينقص في الأمة من جيل إلى جيل, ومن مكان إلى آخر, ومن هنا كان واجبا كفائيا باعتبار, وواجبا عينيا باعتبار آخر. تماما كحكم الجهاد في سبيل الله, وهذا إنما هو فرع منه. أعني أن الجهاد في سبيل الله صورة جزئية من كلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك كان حكمهما واحدا... يتضح جليا أن (وجوب التغيير ) متعلق بشرط, هو (رؤية المنكر): "من رأى منكم منكرا" أي حضره و(شهده) كما في بعض الروايات المذكورة: ‹ إذا عملت الخطيئة في الأرض, كان من شهدها وكرهها كمن غاب عنها, ومن غاب عنها و رضيها كان كمن شهدها›[14>, أي حضرها. فالكفائية هنا متصورة عندما يكون حصول المنكر جزئيا في المجتمع, فكأن (من رأى) هذه تدل على أن المنكر إنما هو ذلك الواقع بالجزء, أي في مكان ما وحال ما. فمن شهد ذلك المنكر حينئذ يكون هو الذي يتعلق الوجوب بذمته, باعتباره ينوب عن الأمة الغائبة عنه. وهذا فهم سليم, لكن لا يتحقق مناطه إلا في مجتمع إسلامي صالح على الإجمال حيث الفساد لا يقع إلا بصورة جزئية. أما وأن الحال في مجتمعاتنا هذه غير الحال في السابق, حيث إن المنكر صار من (عموم البلوى) فلا أحد باستطاعته الزعم أنه لا يشهد المنكر في كل دقيقة بل ثانية. يحدث في هذا المكان أو ذاك. خاصة إذا أضفنا إلى معنى شهود المنكر ما ورد في الحديث المذكور : " إذا عملت الخطيئة..."... ولذلك كنت أقول لكثير من الإخوة عند ذكر الحديث( من رأى منكم منكرا):" المنكر يرانا", إمعانا في تأكيد الواقع المتردي الرهيب الذي وصلت إليه الأمة, من فشو المنكر, إلى درجة انقلابه إلى (معروف). والعكس صحيح.

ومن هنا أصبح واجب تغيير المنكر المتوقف على شرط(من) متعلقا بعموم كل مكلف على سبيل الاستغراق والشمول. لصدقه فعلا على جميع المكلفين في هذا الزمان, كل حسب وسعه."[15>. قد يرى البعض أن في هذا التكليف إجحاف في حق العاجزين, الذين لا يملكون القدرة والاستطاعة, إلا أن العلماء يرون أن لغير القادرين –بخصوص الفروض الكفائية ومنها مواجهة المنكر- دور خطير ومسؤولية جسيمة يرتبها الشرع عليهم, تتمثل في إقامة القادرين. قال تعالى: ? خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين ?الحاقة/30-34. أي لا يطعم المسكين ولا يأمر بإطعامه," فالعقاب لم يكن فقط لأولئك, الذين يمنعون الماعون, وهم القادرون عليه, ولكن عم أيضا, أولئك الذين لم ينهضوا القادرين, ويحثوهم على بذله.. وعليه, وجب فهم قول الشافعي:'لا يخرج واحد منهم, مطيق فيه, من المأثم'[16> في ضوء الإطاقة, إطاقة الحض, والحث أيضا, لا إطاقة الفعل, والإنجاز فقط"[17>. وزيادة في التأكيد والاستفادة أستعير من الأستاذ أحمد عبادي مقولة للشاطبي أكد بها ما سبق, قال الشاطبي رحمه الله: "القيام بهذا الفرض –يقصد الفرض الكفائي- قيام بمصلحة عامة, فهم مطلوبون بسدها على الجملة, فبعضهم هو قادر عليها مباشرة, وذلك من كان أهلا لها, والباقون, وإن لم يقدروا عليها, قادرون على إقامة القادرين, فمن كان قادرا على الولاية, فهو مطلوب بإقامتها, ومن لا يقدر عليها, مطلوب بأمر آخر, وهو إقامة ذلك القادر, وإجباره على القيام بها.. فالقادر إذن, مطلوب بإقامة الفرض, وغير القادر, مطلوب بتقديم ذلك القادر, إذ لا يتوصل إلى قيام القادر, إلا بالإقامة, من باب, مالا يتم الواجب إلا به, فهو واجب"[18>.

2 - التكليف أمانة ورشحان إيمان:

" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " النساء/58
يتضح مما سبق أن التكليف الرباني معناه " تحميل للأوامر والنواهي بطلب رعايتها والحذر من الاختلال بها, وذلك بأدائها على وجهها الذي حملت به كما هو, مثلما يطلب في الأمانة أن يؤدي المعهود به على وجهه كما هو. فقد اشترك التكليف مع الأمانة في عناصر أربع :الإيداع, والحفاظ على المودع, وأداؤه على وجهه, ومغالبة النفس بالإرادة الحرة فيما تهفو إليه بطبيعتها من تحقيق شهواتها: انتفاعا بالمعهود به في الأمانة, وتحررا من المشقة المأمور بها في التكليف, ولذلك استعملت الأمانة في معنى التكليف "[19>. بهذا يكون مفهوم الأمانة القرآني قد تضمن مفهوم التكليف, وقد اشتركا معا في معنى تحمل ورعاية وتأمين ما عهد به, دون السهو أو التقصير أو الإخلال العمد.
إن التكليف الرباني خاضع لمنهج التوحيد المنبعث من الإيمان الصادق. فالتكليف القائم على الوعي بالمسؤولية, والحركة التي لا تنضب, والبدل الخالص لله تعالى... لابد له من طاقة دفع تمد القلب والعقل والجوارح بالإرادة والقوة والتحمل, فلا طاقة تفوق الإيمان في ذلك, وفي قدرته على تحقيق المستحيلات, فما إن يستقر في القلب ويستحكم بالضمير, حتى يرشح صاحبه بالكلمة الطيبة والعمل الصالح, مبشرا بنور الإسلام, ومنذرا لأعدائه بعذاب الله وسخطه, مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‹ ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل›[20>. هذه الحقيقة يدركها كل من ذاق حلاوة الإيمان, ونشوة الانطلاق به, أما حالة الانكماش والسلبية التي يعيشها بعضنا, فهي انعكاس لدرجة الإيمان المتدنية أو المزيفة عند الفرد, ولخلل في المنهج أو الرؤية التربوية عند الجماعة, يقول الله سبحانه وتعالى ? إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ?الحجرات/15. فلكي يكون المكلف في مستوى التكليف والأمانة لا بد له من رعاية إيمانه, لأن الإيمان يزداد وينقص, ولكي تكون الجماعة في مستوى النهوض بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, يجب أن تراجع منهجها ورؤاها وبرامجها كلما اختل صفها أو تناقص استعداد أبنائها على التحمل والبدل.
--------------------------------------------
[5> أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام.
[6> رواه البخاري – كتاب الفتن -.
[7>
[8> رواه أحمد ورواه باختلاف اللفظ أبو داود والترمدي وابن ماجة وصححه الألباني
[9> د.فريد الأنصاري –الفجور السياسي – ص27.
[10> د. عبد المجيد النجار – فقه التحضر الإسلامي – ص92.
[11> رواه الإمام الترمدي في سننه – حسن صحيح غريب-.
[12> د. عبد المجيد النجار – فقه التحضر الإسلامي – ص92.
[13> الإمام الشافعي –الرسالة- ص366-367.
[14> رواه أبو داود عن العرس بن عميرة وحسنه الألباني.
[15> د. فريد الأنصاري – الفجور السياسي والحركات الإسلامية بالمغرب – ص29و30.
[16> الشافعي –الرسالة- ص266-267.
[17> أحمد عبادي – الإسلام وهموم الناس(كتاب الأمة)- ص42.
[18> الشاطبي – الموافقات- ص1/178-179.
[19> د. عبد المجيد النجار – فقه التحضر الإسلامي – ص 91.
[20> رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة الثالثة   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:15 am

- التكليف يتسع لأكثر من معنى:
في السياقات السابقة عبر عن التكليف بأكثر من معنى, لذا وجب التدقيق في المفهوم, حتى يرفع اللبس اللغوي والاصطلاحي, و لكي لا يشوش على جهازنا المفاهيمي, وبالتالي على نهوضنا بالمسؤولية. وأن هذا التدقيق سيقتصر حصريا على المعاني التي تحمل بعدا إحيائيا نهضويا للفرد والجماعة(الأمة).

أ- التكليف بمعنى الشهود والشهادة:

( و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) البقرة/143
"الشهادة في هذا السياق القرآني مثقلة بمعان عدة, بعضها مستصحب من معاني الأصل اللغوي, وبعضها متأت من النظم الذي صيغت به الآية. فمن حيث الأصل اللغوي تفيد مادة (شهد) معاني : الحضور و العلم, والبيان والتبليغ. ومن حيث النظم تفيد الشهادة على الناس معنى المناعة والعزة والنفاسة, وذلك لأنها علة للوسطية. و الوسطية تتضمن هذه المعاني كما بينه المفسرون "[1>. إن الشهادة الحقيقية المشحونة بهذه المعاني, لن تنجز إلا إذا كان التحرك على مستويين: المستوى الأول, بتحقق شهادة الإسلام ذاتيا وأسريا وفي دائرة المقربين, بالصورة الأصلية التي ندعوا إليها, أي بتمثل التغيير الذي نحمل لواءه, وذلك ب" الشهادة في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له, ترجمة حية في شعورها وسلوكها, حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس, فيقولوا ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه... والشهادة له بدعوة الناس إليه وبيان فضله ومزيته بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية. فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان، في ذات نفسه إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك, و ما يكون قد أدَى الدعوة والتبليغ والبيان..."[2>, ثم المستوى الثاني من الشهادة, وهو الأرحب والأكثر اشعاعا, لأن شهادته تتحقق بدعوة الأمة جمعاء لتجسيد الإسلام ببعده الحضاري في حياتها اليومية, و" بمحاولة إقرار الدين في الأرض منهجا للجماعة المؤمنة ومنهجا للبشرية جميعا... فإقرار هذا المنهج في حياة البشرية هو كبرى الأمانات بعد الإيمان الذاتي, ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة..."[3>. ونفس المنحى نحاه محمد رشيد رضا عندما اعتبر أن " الدعوة إلى الخير والأمر والنهي لها مراتب. فالمرتبة الأولى : هي دعوة هذه الأمة سائر الأمم إلى الخير وأن يشاركوهم فيما هم عليه من النور والهدى.. والمرتبة الثانية في الدعوة والأمر والنهي هي دعوة المسلمين بعضهم بعضا إلى الخير, وتآمرهم فيما بينهم بالمعروف وتناهيهم عن المنكر "[4>.

" و قد ظل هذا المعنى من العود الحضاري بتحريك العامل العقدي القيمي إلى موقع الفعل مستقرا في وعي الأمة الإسلامية جيلا بعد جيل, يحييه ويحفزه التكليف الديني بأن تكون هذه الأمة شاهدة على الناس, و الوعد النبوي بأن الله تعالى يبعث إلى الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمر دينها, والمعنى الأساسي للتجديد في هذا المقام هو جعل العقيدة الدينية في موقع الدفع للشهود الحضاري, وبسبب ذلك ظلت تقوم في المسلمين بين الحين والآخر الدعوات والحركات التجديدية الإصلاحية, فما إن يطرأ خلل على وضع الشهود حتى تظهر بإزائه دعوات التصحيح و الإصلاح "[5>.

وبما أن الوسيلة من جنس الهدف, فإن وسائل تحقق الشهادة تتباين بتباين أنواعها وأهدافها وشروط تحققها, فمثلا الشهادة في النفس والأمة والناس تعتمد وسيلة العلم والعدل و التبليغ, عند سيادة الحرية والحوار؛ لهذا أميل ميل الدكتور عبد المجيد النجار, الذي صنف الشهادة إلى ثلاث أنواع: شهادة العلم و شهادة العدل وشهادة التبليغ, وأزيد عليه شهادة الجهاد, الذي يمثل ملجأ المكلف المحاصر بمنطق الاستعمار والقمع والعنف والاضطهاد..., لأن" الدعوة الإسلامية لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادي, كما أنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد ولكن طبيعتها هي الواقعية الحركية, فهي حركة ذات مراحل, لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجياتها الواقعية وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها. فالدين الإسلامي لا يقبل الواقع بنظريات مجردة, كما أنه يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجددة"[6>.

* شهادة العلم:
? وما كان المؤمنون لينفروا كافة. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ? التوبة/122

"تعني شهادة العلم في سياق جعل الأمة الإسلامية شاهدة على الناس أن تكون هذه الأمة قائمة في عقيدتها و في عملها على السعي الدائم للعلم بالحقائق وتأسيس الحياة عليها, بعيدا عن منزع خرافي أو وهمي أو أسطوري في تصور الوجود و الحياة "[7>, لهذا فالعلم شرط يلازم الشهادة على طول, من البداية إلى مالا نهاية. لأن العلم عند الانطلاقة يمثل الزاد الفكري والإيماني الذي ينفر كل طاقات الفرد, ويحسسه بحجم المسؤولية وتبعاتها, والعلم على طول عملية الشهود بمثابة بوصلة تنير الطريق وتقوم الأداء وتشحذ الإرادة... فدونه قد نصبح (كحطاب ليل) نقتات من كل الطاولات ونخوض في كل واد دون بصيرة, حتى نجانب, مفهوم الشهادة الصريح: " قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر "[8>, وهدفها الثابت:"الشهادة على الناس في حقيقتها إظهار للحق, وتبيينه و تبليغه لهم "[9>. فمن الأكيد أن فاقد العلم سيجانب الصواب في الاقتباس والاستدلال والتقدير... وسيضيع ويضيع غيره بالتشويش على الحق والخير وتبيانهما.

إن الشهادة بالعلم تقوم على الاغتراف من العلم الشرعي ومن مصدره الصافي, وحسب القدر الذي يجعلنا على هدى وفي جندية دائمة, وعلى وعي, وبينة بمضمون الرسالة التي نحمل...؛ كما تقوم على التزود بالعلم الدنيوي الذي يعطينا دراية عميقة بالكون وسننه والإنسان وأسراره, حتى نعي المداخل الحقيقية للتواصل, والقوانين والسنن الاجتماعية التي تحكم المجتمعات الإنسانية, ونطلع على الشعوب والمجتمعات في واقعها وتاريخها وخصوصياتها الحضارية والثقافية...

ختام القول, لا شهادة بدون فقه مضمون الرسالة, وبدون تسخير مؤهلات حاملها, وبدون الإطلاع على حال ومداخل مستقبليها؛ ولا ذاك ولا ذلك بدون علم يستوفي الشروط.

* شهادة العدل:
? يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط, ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا, اعدلوا هو أقرب للتقوى, واتقوا الله, إن الله خبير بما تعملون ? المائدة/9

" المقصود بأن الأمة الإسلامية شاهدة على الناس شهادة عدل هو أنها تقف منهم موقفا وسطا تكون فيه كالمركز بالنسبة لجميعهم لا تميل في مبادئها إلى من تطرف ذات اليمين أو ذات الشمال, بل هي أمة وسط بينهم جميعا. ثم هي تقف من الناس موقف العدل في الحقوق, تعين الحقوق لأصحابها من الناس, وتعمل على إيصالها إليهم سواء كانت طرفا في ذلك فتسلك مسلك النصفة أو لم تكن طرفا مباشرا فتسلك مسلك الحكم و النجدة "[10>, فمن أجل ذلك وامتثالا لقوله تعالى : ? قل أمر ربي بالقسط ? الأعراف/29, قاد الإسلام والمسلمون معارك عادلة, لتخليص الإنسان من الرق بكل أشكاله, ومن الميز بكل أنواعه: العرقي واللوني والديني والجغرافي..., ولازال يقود معارك الحرية بمواجهة الاستكبار العالمي والاستبداد السياسي والاقتصادي..."وهناك راية أخرى يحارب تحتها الإسلام كما قلنا, راية حماية الضعفاء من الظلم, الظلم كافة قياما بشريعة الله في العدالة الإنسانية بغير ما غاية سوى تحقيق كلمة الله في سبيل الله"[11>. وهذا هو منطوق العدل الذي يطلق" على التعيين النظري للحقوق مقسطة بالتسوية, كما يطلق على التنفيذ العملي بوضع كل منها في موقعه "[12>, بلا استرخاء ولا حيف ولا مزاجية.. قال تعالى: ?وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل?النساء/58, وقال سبحنه: ?ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا, اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله?المائدة/9., كما أنه منهج ثابت وأصيل "فلم تكن نماذج العدل الإسلامي محصورة في حوادث فردية, مما قد يقع نظيره بين الحين والحين, ولكنها كانت منهاجا عاما, وخطة ثابتة, مع الأفراد والجماعات والشعوب على سواء, مما يثبت للمجتمع الإسلامي سبقه في العدالة الإنسانية المجردة عن كل ملابسة وتحقيقه هذه العدالة بين الجميع في الواقع التاريخي"[13>.

إن شهادة الأمة مشروطة بوسطيتها التي تؤهلها لتبيان الحق و إحقاقه, مع إلجام جاذبية الذات التي تتحكم في هوى النفس والعاطفة العمياء والقومية الظلماء. والعدل تعبير جامع للوسطية والتسوية, يقتضي موقعا وسطا صحيحا بين طرفين, وموقفا حازما لتسوية الحقوق قولا وفعلا. "لقد بني التحضر الإسلامي على هذه الشهادة العدل: حكما وصفيا على أحوال الناس وآرائهم وأقوالهم, وحكما تنفيديا في التعامل بالقسط, وفي نصرة المظلومين المسلوبة حقوقهم برفع يد الظلم عنها وتمكينهم منها, فأصبحت هذه الشهادة عنصرا من العناصر الفقهية في التحضر الإسلامي."[14>.

* شهادة التبليغ و البلاغ:

? هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ? إبراهيم/52

إن مناط التكليف الرباني هو حمل الأمانة الثقيلة التي ألقيت على عاتق الإنسان ? إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ? الأحزاب/72 , وهو إبلاغ الرسالة القرآنية بمضمونها الرباني, وبلاغاتها التي تذكر الإنسان بحقيقته, وحقيقة وجوده وعمارته, وتشعره بربوبية الخالق سبحانه وتعالى, وبسبيل النجاة من الدنيا وفتنها والآخرة وعذابها, قال الله سبحانه:? هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب? إبراهيم/52, " ذلك أن القرآن جاء – وهو من رب العالمين – بلاغ إلى الناس أجمعين, يحمل رسالة ذات مضامين من النبأ الرباني العظيم, نبأ الخلق, ونبأ الكون, ونبأ الغيب, ونبأ الشهادة, ونبأ الحياة, ونبأ الموت, ونبأ البعث القريب.. ونبأ الأمر الإلهي الحكيم في ذلك كله. وكلف رسوله ببلاغه جميعا إلى الناس, فقال له عز وجل: ?يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين? المائدة/67"[15>.

إن جسامة مسؤولية البلاغ والتبليغ يؤكدها مضمون الرسالة القرآنية التي يحملها المكلف, قال تعالى: ? قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا? الجن/22-23, فلا منجى من عذاب الله بعد الاعتقاد والإيمان سوى حمل الرسالة والدود عنها, دون رهن الجهد والفعل بالنتيجة, أما الثمرة والجزاء والحساب فبيد الله, مصداقا لقوله تعالى : ? فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب? الرعد/40. "ومن أشد المعارض القرآنية لهذا المعنى وقعا على النفس؛ قوله تعالى للمؤمنين من هذه الأمة– بعد آية تحريم الخمر مباشرة:?وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين? المائدة/92". ونحو ذلك كثير في القرآن الكريم, مما ينطق عن طبيعة (البلاغية) بالمعنى الرسالي للكلمة, وما ينتج عن ذلك من إعذار وإنذار, ومن ثقل الأمانة الملقاة على عاتق كل مسلم, بل كل إنسان (بلغته) الرسالة"[16>.

وإن عالمية الدين الإسلامي وعموميته تقتضي الانطلاق به نحو باقي الشعوب والأمم لإقامة الحجة عليهم, وإيقافهم على حقائقه الدينية والعلمية... وإظهار ثمار الخير التي أثمرها عبر التاريخ وفي كل مناحي الحياة.?يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون? البقرة/21-22.

" والبلاغ في اللغة العربية يرد بمعنى ( التبليغ والإبلاغ ), جاء في لسان العرب: ( والبلاغ: الإبلاغ. وفي التنزيل: "إلا بلاغا من الله ورسالاته", أي لا أجد منجى إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به. والإبلاغ: الإيصال, وكذلك التبليغ, والاسم منه البلاغ ) ومن هنا كان ( البلاغ القرآني ) جامعا للمعنيين معا: البيان والتبيين. فهو (بلاغ ) أي بيان إعلاني في نفسه, يوصل إلى الناس بنصه مجموعة من العقائد والمبادئ, وهو (بلاغ) أيضا: أي تبيين رسالي من حيث هو حركة في المجتمع, يقوم بها الرسول ومن ينوب عنه من الدعاة, والعلماء المصلحين؛ لتبليغ مضامينه وإيصال نصه إلى الناس أجمعين؛ حتى تشمل الرسالة كل العالمين؛ ومن هنا قوله عز وجل: ? هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ? إبراهيم/52 "[17> .

إذا لإنجاز شهادة التبليغ لا بد من مهمتين يعمل على إنجازهما بشكل متوالي أو متوازي: التبليغ بالبيان والإظهار, والتبليغ بالتبيين والدعوة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة الرابعة   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:17 am

? وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا, فبئس ما يشترون? آل عمران/187

لشهادة التبليغ البياني علاقة تداخلية مع شهادة العلم؛ الفصل بينهما أملاه الجانب المنهجي فقط. فالعلم لا يراد لذاته, وإنما لتحمل مسؤولية البيان والتوضيح... قال الله تعالى? وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه, فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون?آل عمران/187. وفي شرح الميثاق الذي نقضه بنو إسرائيل بكتمان العلم قال قتادة : "هذا الميثاق أخذه الله على أهل العلم, فمن علم شيئا فليعلمه, وإياكم وكتمان العلم فإن كتمان العلم هلكة"[18>. فحامل العلم وريث الأنبياء, يوصل الرسالة إلى قومه نقية من الشوائب, بعد أن يحميها من دخن الغالين والجاهلين, ومن بهتان المبطلين, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‹ يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله, ينفون عنه: تحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين ›[19>؛ و"الذي يتعلم العلم قد أودع أمانة, وأخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدي هذه الأمانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم "[20>. كما أن اعتماد أيسر السبل في التبيين والبيان, يتطلب الاستفادة من ثمار العلم المتزايدة والمتطورة في كل المناحي الفكرية و المنهجية والتقنية وحتى الشرعية- مع مراعاة الثابت منها-.

أكيد أن البلاغ لن يتحقق دون انفتاح وانطلاق, ويستحيل بلا كلمة وبيان للتوضيح والحجية, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‹ بلغوا عني ولو آية›[21>. والقصد من ذلك في البداية, عرض البضاعة الإسلامية- إن جاز التعبير- في أحسن حلة, وبأبهى الصيغ والصور, دون التحريف أو التشويه عند إظهار الحقائق الدينية و الحقائق الكونية, كمحاولة لتهدئة النفس وطمأنينة القلب وإيقاظ العقل. ثم بها تتحقق نتيجة من ثلاث: إما إقامة الحجة عند الرفض والإعراض, وإما التجاوب المحدود الذي تفتح معه عناصر الاستقبال, وتمد به جسور الحوار والدعوة بأساليبها المتقدمة, وإما النتيجة الثالثة التي يتحقق معها المراد, ويكون عندها البيان والدليل قد أغنانا عن جهد أكبر. وهذا هو منطوق الآية الكريمة: ? ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن, إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين? النحل/125 وهذه هي المراكمة الحكيمة التي تقود إلى نتيجة في جميع حالاتها إيجابية. عن ابن عباس (رض) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ‹ إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة, فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم, فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب›[22>. فمنهج الإسلام في التبليغ والتربية يخضع للتمرحل لأن "التربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة, وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع ... والنفس البشرية لا تتحول تحولا كاملا شاملا بين يوم وليلة وبقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد. إنما تتأثر يوما بعد يوم بطرف من هذا المنهج, وتتدرج مراقيه رويدا رويدا, وتعتاد على حمل تكاليفه شيئا فشيئا"[23>. وبهذه الحكمة وفي إطار المراكمة والتمرحل يأتي التبليغ الدعوي تتويجا للتبليغ البياني.

- شهادة التبليغ الدعوي:

? قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ? يوسف/108

إن شهادة التبليغ الدعوي من خصائص الأمة الإسلامية, مرتبطة بأصل وجودها وبصميم حياتها, وهي أرقى أشكال الشهود الحضاري, قال سبحانه وتعالى ? ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ? فصلت/33. فبها تسخر كل الملكات, وتعبأ كل الجوارح, وتفعل جميع خلايا الفرد والجماعة, حتى يتحملا مسؤوليتهما الرسالية بلا تداعي للتحديات والعوائق.

إن الدعوة سعي وحركة تتجاوز البيان في المعنى والتصور, لتنفعل انفعالا إيمانيا عمليا بما تم التصديق والاقتناع به؛ تقوم على حمل الخير كل الخير لجميع الخلق, بدء بالخير القيمي العقدي الروحي الذي يحقق السعادة المعنوية, ثم الخير المادي الدنيوي الذي يحقق السعادة المادية الحسية. "إنه خير على درجات ثلاث: الهداية إلى الحقيقة الدينية الشاملة, وبث العلوم والمعارف الكونية الممكنة من استثمار الكون وتقديم المعونة المباشرة للمحتاجين إليها, كل ذلك موجه إلى الناس كافة ودون تمييز على أي اعتبار "[24>. والدعوة تقتضي جلب منفعة أو دفع مفسدة, أو كلاهما معا. ‹ كنتم خير الناس للناس, تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة, يبدل المسلمون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس, فهم خير الأمم للخلق, والخلق عيال الله, فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ›[25>.

أما مرجعنا الدعوي الذي نقتبس منه المنهج, ونتزود منه بقيم التضحية والصبر واحتساب الأمر لله تعالى..., والذي نحتكم إليه عند الحاجة, فهو القرآن الكريم؛ فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله إلا به, استجابة لقوله تعالى: ? فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا? الفرقان/52, وكذلك كان صحابته الكرام على هديه عليه الصلاة والسلام. فما أسلم أغلب من أسلم من الصحابة إلا بعد سماع القرآن. إنه مصدر عزتنا وفلاحنا إن تمسكنا به وعضضنا عليه بالنواجذ. ف "هو كتاب هذه الأمة الحي ورائدها الناصح, وأنه هو مدرستها التي تتلقى فيه دروس حياتها, وأن الله هو المربي"[26>. منه نغترف ونتزود لنقوى على دعوتنا وجهادنا, وبه نهتدي في فعلنا الدعوي, فما أفلح قوم جعلوه وراء ظهورهم, وما يصلح حالنا إلا بما صلح به حال من قبلنا من المسلمين."إن هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة ودستورها ووسيلتها كذلك. وفيه وحده الغناء في جهاد الأرواح والعقول, وفيه ما يأخذ على النفوس أقطارها, وعلى المشاعر طرقها, وفيه ما يزلزل القلوب الجاسية ويهزها هزا لا تبقى معه على قرار.. لذلك ينبغي أن يكون هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة الذي يعتمد عليه الدعاة إلى الله قبل الاتجاه إلى أي مصدر سواه"[27>.

خاتمة قولنا في الدعوة, نقتبسها من هذا القرآن الكريم" آيات الدعوة إلى الله من سورة (فصلت), ذات (القواعد العشر). إنها خلاصة القول فيه, وجماعه. فقد فصلت المنطلقات تفصيلا, وحددت الغايات تحديدا, وضبطت الوسائل ضبطا. إنها منهج متكامل بذاتها في الدعوة إلى الله. وإن الناس اليوم لو أخذوا بها وحدها في هذا الشأن لكفتهم... قال تعالى :? إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم. ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين. ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم? فصلت/30-36.

هذه هي القواعد العشر في الدعوة...:

ق1-(إن الذين قالوا ربنا الله): فهي أن(قول: ربنا الله) إعلان للتوحيد...فاحفظها بوجدانك, فقد جعلها الله أول شرط الفلاح. فاعرف ربك وعرف به...

ق2-(ثم استقم): فهي الاستقامة على قولك ربنا الله .. أي الاتزام بما أقررت, والوفاء بما شهدت به على نفسك, وشهد به عليك الله, والملائكة, والناس أجمعون. ذلك صراط مستقيم أقررت به, فاستقم عليه عقيدة وسلوكا, ظاهرا وباطنا, خوفا ورجاء؛ تكن من الصادقين...

ق3-(تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا)عدها واحدة إلى قوله تعالىSadنزلا من غفور رحيم): التبشير وعدم التنفير. وذلك ببناء الكلام في الدعوة إلى الله, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ على قصد تحبيب العباد في رب العباد. إذ على ذلك ينبني مفهوم الخوف والرجاء...

ق4-(ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله): الدعوة إلى الله لا إلى ذات الهيآت والمنظمات. وهوقول متفرع عن القول الأول(قالوا ربنا الله) وفي سياقه... فليس الداعي الحق إلى الله إلا معرفا به؛ ولذلك كان هذا أحسن ما يعلنه العبد في طريق عبادة الله في الأرض... فهي دعوة إلى الله جل جلاله وجماله, توحيدا وتفريدا وتجريدا؛ رغبة ورهبة..

ق5-(وعمل صالحا): في أن العمل الصالح أساس الدعوة إلى الله, وعلى رأسه الصلاة. ولذلك قالSadوعمل صالحا) عطفا على إحسان القول. فلا قول حسن إلا إذا انبنى على عمل صالح...

ق6-(وقال إنني من المسلمين): إعلان الانتماء لكل المسلمين, والحرص على عدم تفريق وحدتهم العامة... فالدعوة إلى الله هي دعوة إلى الله, وانتماء عام لكل المسلمين.

ق7-(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة): هذا مبدأ ثابت من مبادئ القرآن, فاثبت عليه. لا يستوي الخير والشر, لا يستوي الحق والباطل, لا يستوي المعروف والمنكر, لا يستوي الكلام الطيب والكلام الخبيث. ونتيجة ذلك لا تستوي الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن, والدعوة إليه بالتي هي اخشن...

ق8-(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم): حذار من التشنج, حذار من الغضب لنفسك. ما دمت قد جعلت نفسك لله فاجعل الكل لله, ولا تتحرك في الدعوة إليه تعالى إلا بما تقدر أنه لله.(ادفع بالتي هي أحسن) تلك مقدمة مسلمة في منهج الله, نتيجتها واضحة حاسمة, هي (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)...

ق9-(وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم): في الصبر على الأخذ بالمنهج القرآني. ذلك أنه يحمل النفس في معاشرة الناس على ما تكره, من تحمل الذي في الله, ودفع الشر بالخير, ودفع الجهلة بالحكمة والموعظة الحسنة, ودفع العداء بالتي هي أحسن...

ق10-(وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم): الحذر من الشيطان..أعرف الشيطان؛ حتى تعرف طبيعة العلاقة بينه وبين المسلم عموما, وبينه وبين الداعية إلى الله خصوصا. إنك إذ تدعو إلى الله تقوم بهدم ما بناه إبليس اللعين؛ فتزداد عداوته لك أضعافا مضاعفة, ولكنك إن اعتصمت بالله واستعذت به لن يصل إليك, فلا سلطان له على عباد الله الصالحين..."[28>.

ب- التكليف بمعنى الجهاد:



يتبع

-----------------------------------------------------------
د. عبد المجيد النجار – فقه التحضر الإسلامي –ص10.[1>
د. أحمد الفائز – طريق الدعوة – ص147.[2>
أحمد الفائز - المرجع السابق- ص 147.[3>
محمد رشيد رضا – تفسير المنار – ص4/27-28.[4>
د.عبد المجيد النجار – فقه التحضر الإسلامي – ص13.[5>
أحمد فائز – طريق الدعوة – ص79.[6>
د. عبد المجيد النجار – فقه التحضر الإسلامي- ص93.[7>
الأصفهاني 6 المفردات – ص465.[8>
ابن عاشور – التحرير و التنوير – ص2/21.[9>
د. عبد المجيد النجار - فقه التحضر الإسلامي – ص112.[10>
سيد قطب – نحو مجتمع إسلامي- ص108.[11>
د. عبد المجيد النجار -المرجع السابق - ص112.[12>
سيد قطب – نحو مجتمع إسلامي- ص130.[13>
عبد المجيد النجار – فقه التحضر الإسلامي- ص120.[14>
د. فريد الأنصاري – بلاغ الرسالة القرآنية- ص31.[15>
د. فريد الأنصاري – بلاغ الرسالة القرآنية- ص32.[16>
د. فريد الأنصاري – بلاغ الرسالة القرآنية – ص21و22.[17>
الطبري.[18>
رواه البيهقي.[19>
محمد رشيد رضا.[20>
صحيح البخاري – كتاب أحاديث الأنبياء -, وقد أخرجه الألباني في صحيح الجامع .[21>
صحيح البخاري – كتاب العلم-.[22>
أحمد فائز –طريق الدعوة – ص131.[23>
د. عبد المجيد النجار –فقه التحضر الإسلامي – ص 109.[24>
أورده ابن تيمية –الفتاوى – ص10/59, وراجع الطبري – جامعالبيان – ص4/44.[25>
أحمد فائز – طريق الدعوة – ص119.[26>
أحمد الفائز - المرجع السابق - ص124.[27>
د. ف. الأنصاري–بلاغ الرسالة القرآني –ص86..94 بتصرف. هذا الكتاب يستعان به للاستزادة من البلاغات القرآنية العملية.[28
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة الخامسة   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:20 am

ب- التكليف بمعنى الجهاد:

? الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله, وأولئك هم الفائزون ? التوبة/20

لقد بات واضح للعيان طبيعة وعمق وبعد المعركة التي تواجهها الأمة الإسلامية, فهي معركة حضارية الوسائل والأهداف, وصليبية العقيدة, وصهيونية المنهج. أفقها اجتثات الأمة, وإن استعصى فإضعاف مناعتها بتجريدها من قيمها وثوابتها ثم إخضاعها. ولقد سخرت لذلك كل الطاقات وفتحت كل الجبهات, بدء بالجبهة الإعلامية الثقافية وانتهاء بالجبهة العسكرية؛ فالجبهة الأولى تمهد للأخيرة, وتغطي عملياتها, وتحصد ثمارها؛ ومن بين تجليات هذا الدور الخبيث فتح ملف المصطلحات والمفاهيم, حتى يشوش على جهازنا المفاهيمي, خصوصا منه المستوحى من القرآن الكريم والمؤصل بالنصوص. ولهذا الغرض وضعت قائمة سوداء لمصطلحات إسلامية قرآنية, وسخر في مقابلها قاموس لغوي إعلامي حربي, وتصاعدت المواجهة حتى أصبح الجهاد إرهابا, والشهادة انتحارا, والالتزام تخلفا, والإسلام رجعية, والاحتلال مخلصا, والاستسلام سلاما.. فاختلط الحابل بالنابل, وطفت بعض الاجتهادات من بني جلدتنا تطمح لإزاحة هذه المفاهيم, أو على الأقل تلقيحها بنقيضها, ثم الخروج بمضامين أكثر مواءمة وأقل استفزازا للعدو المستكبر.

حقيقة أننا أمام تحدي كبير, أصبح يلامس النص والمعتقد, جسامته تستدعي منا الوعي الكامل أولا والعمل الدءوب ثانيا, حتى نقطع الطريق على الإملاءات المباشرة والإشارات الغير مباشرة التي تسعى إلى تشطيب آيات كريمة من القرآن الكريم أو إلى تحريف معناها الصحيح, بدعوى أنها تمس السامية أو تدعوا للقتال. إلا أن أداءنا مشروط بأن يكون معافا من الغلو والتطرف وبعيدا عن ردات الفعل التي تحمل النصوص أكثر من منطوقها؛ والمحنة هذه في حاجة ماسة للوسطية التي تزن بالشرع وتعمل بالعدل.

للتدليل على ما قيل نتخذ'مفهوم الجهاد' مثالا, فالجهاد معادلة صعبة يصعب فكها على العملاء والمنبطحين المستسلمين, ويختل توازنها على أيدي خوارج الأمة وغلاة المسلمين, بينما يسهل فهمها وحلها على أهل الوسط من الأمة؛ وللمزيد من التدقيق سنحاول تبيان مضمون وأهمية الجهاد ثم كشف الشبهات التي تحوم حول فهمه وتنزيله:

- مفهوم وأهمية الجهاد:

"الجهاد لغة هو التعب والمشقة, وبذل الجهد الزائد على الطاقة المعتادة. أما اصطلاحا فله معنيان, عام وخاص:

* فحقيقة الجهاد في الاصطلاح بمعناه العام هو الاجتهاد في حصول ما يحبه الله تعالى, والابتعاد عما يغضبه سبحانه؛ وهو بالتالي: استفراغ الطاقة لتحقيق الأهداف التي توجه إليها الرسالة الإسلامية في جميع ميادين الحياة الفكرية, والاجتماعية, والاقتصادية, والعلمية, والعسكرية في السلم والحرب على السواء؛ إذ أن مفهوم الجهاد بمعناه العام من الاتساع والعموم بحيث يشمل أنواعا شتى. قال صاحب الفواكه الدواني: 'واعلم أن الجهاد من حيث هو على أربعة أقسام: جهاد بالقلب, وهو مجاهدة الشيطان والنفس عن الشهوات المحرمة, وجهاد باللسان, وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وجهاد باليد, وهو زجر الأمراء أهل المناكر بالأدب والضرب باجتهادهم, ومنه إقامة الحدود, وجهاد بالسيف, ولا ينصرف حيث أطلق إلا إليه...'[1>.

* أما الجهاد بمعناه الخاص فقد عرفه ابن عرفة بقوله: ' قتال مسلم كافر غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله...' وهذا معنى قول النفراوي سابقا 'وجهاد بالسيف, ولا ينصرف حيث أطلق إلا إليه' "[2>.

إذا فالجهاد يفيد توظيف كل الإمكانات الممنوحة من الله سبحانه وتعالى, و إفراغ كل الجهد وبذل كل الاستطاعة بالقلب أو اللسان أو اليد, دون تقصير أو إيهام بالقصور، فله معنا واسعا لا يضيقه إلا جاهل أو متحامل. وبه تحصن الأمة, ويجعل لها هبة ترهب الأعداء ?وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم, وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون?الأنفال/60. وهو ذروة سنام الإسلام, به تتحقق العزة ويكتمل الشهود الحضاري, "على أن المهمة التي أناط الله بها الأمة المسلمة, ليست هي مجرد هداية الناس إلى الخير الذي جاء به الإسلام وحماية العقيدة الإسلامية وأصحابها؛ إنما هي أكبر من ذلك وأشمل, إنها كذلك حماية العباد والاعتقاد للناس جميعا, واستبعاد عنصر القوة المادية من ميدان الاعتقاد والعقيدة, وحماية الضعفاء من الناس من عسف الأقوياء, ودفع الظلم أيا كان موقعه و أيا كان الواقع عليه, وكفاية القسط والعدل للبشرية كافة, ومقاومة الشر والفساد في الأرض بحكم الوصاية الرشيدة التي ناطها الله بهذه الأمة"[3>.

- مراتب وأشكال الجهاد:

يتضح مما سبق أن الجهاد منظومة متماسكة شاملة, تبدأ بالذات ومداخلها, وبالواقع ومكوناته. وقد ضمن ابن القيم الجوزية مستويات ومراتب الجهاد كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد, أقدمها مختصرة على النحو التالي:

* المرتبة الأولى: أن يجاهد النفس, وهو أيضا أربعة مراتب:

أحدها: أن يجاهدها على تعلم الهدى.

الثانية: على العمل به بعد علمه.

الثالثة: على الدعوة إليه, و إلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله.

الرابعة: على الصبر على مشاق الدعوة, ويتحمل ذلك كله لله.

فإذا استكمل هذه الأربع, صار من الربانيين, فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يكون ربانيا, حتى يعرف الحق, ويعمل به, ويعلمه.

* المرتبة الثانية: جهاد الشيطان, وهو مرتبتان: إحداهما؛ جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات, والثانية جهاده على دفع ما يلقي من الشهوات. فالأولى بعدة اليقين, والثانية بعدة الصبر, قال تعالى: ?وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون?السجدة/24.

* المرتبة الثالثة: جهاد الكفار والمنافقين, وهو أربع مراتب: بالقلب, واللسان, والمال والنفس... وجهاد الكفار أخص باليد, وجهاد المنافقين أخص باللسان.

* المرتبة الرابعة: جهاد أرباب الظلم, والمنكرات, والبدع, وهو ثلاث مراتب: باليد إذا قدر, فإن عجز انتقل إلى اللسان, فإن عجز جاهد بقلبه"[4>.

إن أشكال الجهاد مؤطرة بالمفهوم العام, ومحددة حسب المراتب؛ فمثلا, جهاد النفس والشيطان هو الأساس والمنطلق, قال صلى الله عليه وسلم: <الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل>[5>, ولن يحقق هذه الجهاد إلا في فضاءات الذكر ورباطات المساجد التي تثمر تربية قوامها إيمان وهداية وثبات على المبدأ والحق ? والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا, وإن الله لمع المحسنين? العنكبوت/69, وقال تعالى: ? ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واثقوا الله لعلكم تفلحون ? آل عمران/200؛ ولن تترعرع وتحصن هذه المجاهدة إلا بالسير في درب الدعوة والتبليغ وملازمة رباط الثغور,"فالرباط يفيد في الكتاب والسنة الصبر على ملازمة ثغور الجهاد, لمراقبة العدو, والتصدي لغاراته، وحراسة المسلمين. ولقد أورد الإمام البخاري فيه الحديث الذي أخرجه مسلم أيضا, عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ‹ رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها, والروحة يروحها العبد في سبيل الله تعالى أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ›[6>. في هذا السياق الجهادي إذن استعمل النبي صلى الله عليه وسلم لفظ (الرباط), للدلالة على التزام المساجد, والارتباط بندائها, فقال: ‹ ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره, وكثرة الخطى إلى المساجد, وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط! فذلكم الرباط! فذلكم الرباط! ›[7>. لهذا فالتربية الجهادية تمتد من المسجد إلى الثغر, ومن انهزم عن حصون الجوامع لا يمكنه أن ينتصر بحصون المدافع."[8>. أما جهاد الكفار والمنافقين والمبتدعة فيتخذ شكل الدعوة وبدل المال والجهد, حتى إذا هددت بيضة الإسلام, واتضح المكر والخديعة, واستعصى أمر الكلمة, وتوفرت شروط المواجهة, وجب الجهاد بالنفس حسب ابن القيم الجوزية, شريطة ألا ينصرف حيث أطلق إلا إليه حسب القيرواني وإجماع العلماء؛ إلا أن خطورة الموضوع في التقدير والتوقيت والإدارة تشترط وعيا شرعيا دعويا, و فقها واقعيا تنظيميا سياسيا...

- شبهات حول الجهاد بمعناه الخاص (القتال):

إن حقيقة التدافع بين الحق والباطل عبر التاريخ الإسلامي, تؤكد أن مجموعة من العوائق المادية تحتاج في إزالتها إلى فعل جهادي عنيف يجتثها من الطريق, قال تعالى ? وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون?الأنفال/60. إن الحكمة والنضج والموازنة بين المصلحة والمفسدة, لا يسقط خيار الجهاد العنيف من مشروع المكلف- فردا أو جماعة على السواء, لإقراره شرعا ولاعتباره من أعظم العبادات، حتى إن المالكية يذكرون باب الجهاد متصلا بالعبادات, اعتبارا بنية المجاهد: " لتكون كلمة الله هي العليا"؛ كما أنه سبيل للفوز بالجنة التي جعلت تحت ظلال السيوف, قال تعالى: ?إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون, وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن, ومن أوفى بعهده من الله, فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به, وذلك هو الفوز العظيم?التوبة/111؛ بالإضافة إلى الحكمة في التغيير التي تقضي بأن"الأمر في الدين متسع ولا نضيق ما وسعه الله, فلكل مرحلة ما تقتضيه من وسائل ولكل زمان حكم ولكل درجة في التدافع ما يناسبها"[9>؛ وإن الجهاد عموما والقتال خصوصا مخرجنا يوم تكالب الأمم، وحصننا يوم انتهاك حرمة الإسلام, وهو من مصادر عزتنا ومناعتنا وهبتنا, فعن أبي هريرة (رض) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لثوبان: كيف أنت يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله, أمن قلة بنا؟ قال: لا, بل أنتم يومئذ كثير, ولكن يلقى في قلوبكم الوهن, قال: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال"[10>. لكن يجب التأكيد على أن عنف الجهاد يتسم بسمة العدل والحق, وأنه "لا يشكل الأولوية وإنما يقع في مرتبة أدنى. لأن الأولوية هي للعقيدة ونشرها بالإقناع وتوحيد الشعوب والقبائل بالإسلام, وتحت حكم الإسلام. أما العنف فيأتي في مرحلة متأخرة بعد ذلك. ولهذا حين يستعمل يكون أداة العقيدة, وفي خدمتها, ولا يصبح فوقها, أو متقدما عليها, ولا تصبح في خدمته أو مساوية له... علما أن العقيدة الإسلامية تمنع إكراه الناس على اعتناقها (لا إكراه في الدين) فسيف الإسلام لم يشهر في وجه المستضعفين, وإنما في وجه القياصرة والأكاسرة الذين يملكون الجيوش ويسلطون على العباد"[11>.

وقد ضبط العلماء مجمل دواعي القتال دون خلاف تحت مسمى جهاد الدفع, بينما تباينت الاجتهادات حول مفهوم ودواعي جهاد الطلب, ويمكن إجمال حالات الاتفاق في:

" أ- حالة الدفاع عن العقيدة وحرية الدين مصداقا لقوله تعالى: ?وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله, فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين?البقرة/193. ' فقد شرع القتال للدفاع عن حرية المسلمين الذين أوذوا فعلا بسبب عقيدتهم, وأخرجوا من ديارهم, لغير ما سبب إلا أن يقولوا ربنا الله'[12>, قال الله تعالى: ?أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا, وأن الله على نصرهم لقدير, الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله?الحج/39.

ب- حالة الدفاع عن النفس يقول تعالى: ?وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا,إن الله لا يحب المعتدين?البقرة/190. ' هناك فريق آخر يدعوا الإسلام إلى حربهم حربا وقائيا: أولئك الذين ينقضون معاهداتهم السلمية مع المسلمين, ويكرروا هذا النقض, بحيث يبقى المسلمون في قلق من حياتهم في كل لحظة, فعلى المسلمين أن يعلنوهم بنبذ ما بينهم وبينهم من معاهدات. ولكن حتى هؤلاء ليس للمسلمين عليهم من سبيل إذا هم آثروا السلم وجنحوا إليها'[13>.

ج- حالة الدفاع عن المظلومين والعجزة والنساء والأطفال.. يقول تعالى: ?وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا?النساء /75."[14>, فهذه الراية التي يحارب تحتها الإسلام هي ' راية حماية الضعفاء من الظلم كافة قياما بشريعة الله في العدالة الإنسانية بغير ما غاية سوى تحقيق كلمة الله في سبيل الله'[15>.

يبدو أن نسقية التحليل وضعتنا أمام موضوع شديد الحساسية والتعقيد, لاتصاله بالنفس البشرية، وبدماء الناس عموما والمسلمين خاصة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عن أبا هريرة (رض): <... كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه>[16>. فالخيط الرفيع الذي يفصل شرعا بين حلال وحرام القتل والقتال, وكثرة الشبهات حول دوافع وحيثيات الموضوع، زادا من حيرة المسلم، حتى صار الحليم حيرانا ومن الأمر وقافا ومحتسبا؛ وقد زاد من هول النازلة اتساع دائرة القتل بين المسلمين وديارهم, فعن أبي هريرة (رض) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: <لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل، القتل>[17>, وقال صلى الله عليه وسلم: <لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم, وتكثر الزلازل، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل>[18>, وقال صلى الله عليه وسلم في ما روي عن أبي هريرة (رض): < والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان, لا يدري القاتل فيم قتل, ولا المقتول فيم قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار>[19>, صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن كل ما سبق يِؤكد " أن الجهاد بمفهومه الخاص في الإسلام هو بمثابة عملية جراحية، والتي لا ينبغي بأية حال من الأحوال أن تتجاوز موطن الداء, ولا أن تتوسع لبتر الأعضاء السليمة, وبذلك يسعد الجسم البشري بسعادة وسلام دائمين"[20>. ويبقى للقتال تحت راية الجهاد دوافع شرعية ونبيلة قد سبق حصرها؛ لكن الخلفيات الضيقة التي تستجيب للقناعات المذهبية، أو الميولات الفكرية، أوالانفعالات النفسية, هي التي تحدد عمليا مشروعية الفعل ومساره ونتائجه؛ فالقتال في أحسن الأحوال نصرة للدين ودفاع عن حوزة الإسلام و عن حرمة أهله, وفي أسوئها تلبيس وخلط للأوراق أو تشويه للحقائق أو انتصار للذات. عموما يمكن حصر خلفيات الجهاد بمعناه الخاص (القتال) في الأصناف التالية:

1- القتال بخلفية ذاتية أو دنيوية.

2- القتال بخلفية التطرف.

3- القتال بخلفية نصرة الدين والأمة, وفيه صنفان:

أ- صنف عليه إجماع الأمة ك: فلسطين والعراق....

ب- صنف حول اختلاف وخلاف بينين لاعتبارات:

* قتل الأبرياء من المسلمين.

* زعزعة أمن بلاد المسلمين.

* نقض العهود: كعهد الذمة وعقد الأمان...

* جر مفاسد أخرى, كتمكين العدو وأعوانه من مصوغات للظلم والطغيان...

لرفع اللبس نفصل في كل خلفية بشيء من التركيز:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة السادسة   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:22 am

القتال بخلفية ذاتية أو دنيوية:

من مسلمات الإيمان في الإسلام أن جميع الأعمال لا تقوم ولا تستقيم، إلا إذا استقامت نيتها أي خلصت لله سبحانه وتعالى، على اعتبار أن النية هي الأصل والمنطلق والجوهر، مصداقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهور والمروي عن عمر بن الخطاب (رض) [21>.

هذا الصنف من المقاتلين قد حاد عن خط الجهاد منذ البداية، حين انحرفت نيته عن هدف إعلاء كلمة الله ونصرة دينه... فعن أبي موسى(رض) قال: < جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر, والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله ؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله>, وفي حديث آخر [22>؛ وبالتالي لن يجني أصحاب هذه الخلفية سوى الحرمان من ثواب وأجر المجاهدين، ثم الخزي والخسران المبين، فعن أبي هريرة (رض) قال:< سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة: رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار...>[23>.

أكيد أن أهداف ضيقة: كسحر اللحظة وأضواء الشهرة والآمال الزائفة... قد حالت دون سمو الغاية وإخلاص النية.. مما جعل الثمن غالي لطلب رخيص؛ وصحيح أن هذا الصنف - وإن قل في درب الجهاد- فإنه شديد الخطورة, مما يحدث من شرخ في الصف الجهادي، ومن زيغ عن مسار المعركة الصحيح والمناسب.

إن لأصحاب هذه الخلفية سمات للشخصية من بينها:

* ضعف الإيمان.

* التقلب في المواقف بتقلب المصلحة.

* الرياء وحب الظهور.

* الاستئناس بالمدح.

* طلب الجزاء والشكر من الناس عند كل الأعمال.

القتال بخلفية التطرف:

التطرف زيغ عن جادة الطريق, وميل عن الوسطية؛ وسم المنهج أو الشخص بهذه الصفة موكول للاحتكام لشرع الله، ولعلماء الأمة, ولمقارنة منهج واعتقاد الفرد بمنهج واعتقاد صالح الأمة وخيرتها على مر العصور؛ فمن الخطأ الاحتكام لمنهج الأغلبية كتدين المحيط..., أو الاحتكام لمنهج المتغلب كالدين الرسمي لأنظمة تعتز بعلمانيتها...

والتطرف تحصيل حاصل ونتيجة أسباب ومقدمات, نذكر من بينها:

- أسباب ذاتية كـ:

* سمات الشخصية: كالاختلال النفسي والتوتر العصبي والتفكير الاندفاعي...

* التكوين المختل والفهم الخاطئ للدين: ومن نتائجهما التضخيم من البعد العقدي أو غلق باب الاجتهادفي قضايا المجتمع المستجدة أو نبد الحوار والتكوين الشمولي...

- أسباب موضوعية كـ:

* الاستسلام لحالة اليأس: نتيجة الهزائم التي تعيشها الأمة والضربات التي تتلقاها الدول الإسلامية بالتتابع.

* التفاعل السيئ مع مجموعة من التجارب الإسلامية التاريخية: كالقراءة التبريرية لمنعطفات الإجهاز على الشورى وسلطة الأمة مقابل الفهم الخاطئ لتجارب أئمة الشيعة...

* الاستفادة القاصرة من تجارب تغييرية حديثة: بسبب المزايدة الثورية، كما حدث مع تجارب اليسار؛ أو بسبب محاولات الاستنساخ الحرفي دون مراعاة ظروف الحدث وشروط التغيير، كما حدث مع الثورة الإسلامية في إيران والجهاد في أفغانستان.

* مواجهة التطرف المضاد: المتمثل في الطغيان والظلم وسلب الحريات وخنق الأنفاس... ف "شعور الجماعة بالظلم والقهر, أو بالاستبداد والاستغلال, سواء من خصم داخلي، أو عدو خارجي, لا بد أن تكون له انعكاسات سلبية, ويتبلور رد فعله في صياغة فكرة, تعبر عن قيمة من قيم المجتمع, يشترك أفراد الجماعة في إبرازها كقوة مثالية مقدسة, قادرة على مواجهة قوة الخصم, وقد تطول مدة صياغة الفكرة, أو مدة تحويل الفكرة إلى عقيدة, أو مدة تحويل العقيدة إلى عمل إيجابي يمثل رد فعل الجماعة تبعا لمستوى ثقافتها وقدرتها على إنجاز عمليات رد الفعل بنجاح, وتبعا أيضا لمستوى ثقافة الخصم, وقدرته على إحباط رد الفعل لدى الجماعة"[24>.

كما للتطرف صفات ومظاهر أجملها الدكتور" يوسف القرضاوي" في ست مظاهر هي:

1- التشديد في غير محله: منهي عنه بسبب مآلاته الدنيوية والأخروية, ففي ما روي عن ابن مسعود(رض) أن رسول الله عليه وسلم قال: [25>, والمتنطعون هم الغالون في تدينهم المتشددون على أنفسهم, وقال صلى الله عليه وسلم فيما روي عن ابن عباس:[26>.

2- إلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم به الله: تزداد خطورة الغلو والتشدد حين تتجاوز دائرة الذات, فيتجه الفرد إلى إلزام محيطه باجتهاداته الشاذة وبابتداعاته وطقوسه التعبدية, مخالفا بذلك منطق التيسير والتبشير, ومناقضا لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأمر بـ: و.

3- سوء الظن بالناس: سلوك رديء ومقيت يتناقض مع أمر الله سبحانه وتعالى: ?يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم? الحجرات/12، ويخالف نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم:[27>. فالأصل في الإسلام هو حسن الظن حتى يثبت العكس, بهدف الإبقاء على التواصل القلبي الذي يوطئ للتلاقح الفكري والعقائدي... على اعتبار أن لا دعوة بدون حوار، ولا حوار بدون تواصل نفسي، ولا تواصل مع سوء الظن, وأن الموقف الجاهز المسبق نقيض الدعوة والتبليغ...

4- التعصب للرأي: إنه مظهر آخر من مظاهر الانفتاح السيئ، قد يقل خطورة عما سبق, لكن يبقى حائلا دون التلاقح الفكري , ومقدمة للتنابز بالألقاب, وشد الحبل الذي يمزق الصف الإسلامي ويوهن العزائم...

5- السقوط في هاوية التكفير: التكفير تتويج لما سبق من الانحرافات, وهو تعبير عن قمة الغلو في التدين, به يتم إقصاء من خالف الرأي والاجتهاد أو من سيء الظن به, وهو إعلان لحرب كلامية تمهد لحرب حقيقية تستبيح الدماء والأموال. ف "يبلغ هذا التطرف غايته, حين يسقط عصمة الآخرين, ويستبيح دماءهم وأموالهم ولا يرى لهم حرمة ولا ذمة, وذلك إنما يكون حين يخوض لجة التكفير واتهام جمهور الناس بالخروج من الإسلام, أو عدم الدخول فيه أصلا, كما هي دعوى بعضهم, وهذا يمثل قمة التطرف الذي يجعل صاحبه في واد, وسائر الأمة في واد آخر.

وهذا ما وقع فيه الخوارج في فجر الإسلام، الذين كانوا من أشد الناس تعبدا لله صياما وقياما وتلاوة قرآن, ولكنهم أتوا من فساد الكفر, لا من فساد الضمير, ومن علاماتهم المميزة بأنهم (يقتلون أهل الإسلام, ويدعون أهل الأوثان)."[28>

ولخطورة الفتوى وما يترتب عنها من حكم, فقد حضرها علماء الأمة عن غيرهم, وجعلوا للخوض فيها ضوابط وشروط, حتى لا تصبح أداة سلاح ومصدر فتنة...

6- العنف والخشونة: أخطر مظاهر التطرف عند الالتزام والدعوة، حيث تتحول الكلمة الطيبة إلى خشونة في القول, والنصيحة إلى فضيحة، والحكمة في الدعوة إلى مواقف حادة وسلوك عنيف, والصبر إلى استعجال ومواجهة... إنه تصريف عملي للتعصب والتشدد وسوء الظن والتكفير، يغيب معه خفض الجناح للمسلمين ورحمة الآخرين (ما لم يعلنوا الحرب ضد الإسلام)... قال الله تعالى: ?لقد جاءكم رسول من أنفسكم, عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم?التوبة/128, وقال سبحانه: ?فبما رحمة من الله لنت لهم, ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك? آل عمران/159.

لقد أصبح القتال عند البعض انفعالا لا تحكمه أهداف إسلامية واضحة, وغير متحرر من شوائب الجاهلية، حتى عاد في بعض حالاته إفرازا تطرفيا, قد يعصف بالكثير من مكاسب الصحوة الإسلامية، وقد يجر أمتنا إلى معارك وهمية أو على الأقل إلى معالجات خاطئة.

القتال بخلفية نصرة الدين والأمة:

إذا استثنينا الفئة القليلة من الأمة التي زاغت بالجهاد عن أهدافه الشرعية السامية، بدوافع انفعالية متطرفة أو مكاسب دنيوية آنية, فإن البقية الباقية وهي السواد الأعظم, تعي كل المحاذير والمنزلقات في هذا الباب، وبالتالي تتشبث بالفتوى الشرعي, وتحرص على تصدر العلماء العاملين لهذا الثغر الاجتهادي، حتى لا تفقد بوصلة الجهاد منحاها الصحيح، فتنحوا بمخلصي الأمة نحو الركون والانبطاح أو التنطع والتطرف لا قدر الله.

أكيد أن الفتن التي تنزل على الأمة كقطع الليل جعلتها أمام تحديات حقيقية, وبالتالي وضعت هذه الفئة المجاهدة في مواجهة أسئلة جديدة تحتاج لمواقف رصينة. ومع تصاعد الأحداث التهب حماس الغيورين واشتدت حدة النقاش بينهم، فامتزج تراثنا الفقهي باجتهادات فقهائنا المعاصرين وتفاعلا، وكانت النتيجة إجماع على ضرورة قتال كل مغتصب لأرض المسلمين, وعلى رد أطماع الطامعين بالنفير والرباط، لكن انحصر الخلاف حول قضايا في عمومها من تبعات هذه المواجهة المشروعة ومن تعقيدات عصرنا الحديث كالتجزئة والعولمة والأقليات بالعالم الإسلامي وتداخل المصالح والعلاقات... وبالتالي تباينت الإجابة على الأسئلة التالية:

* إذا اعتدي على دولة إسلامية هل تتداعى لها باقي الدول الإسلامية في إطار الأمة الواحدة أم ينضبط الكل للقانون الدولي في إطار الحدود الوهمية؟

* هل تشمل الحرب ضد الصليبيين والصهاينة نقض العهود مع أهل الذمة والأمان وإعلان الحرب عليهم؟

* هل ترتب الفتن عند إعلان الأمة الحرب ضد العدو, يكفي مبررا لتوقفها؟

* هل حرمة دم المسلم على المسلم تشمل قتل المسلم عند ضرورة التنكيل بالعدو؟

وللتبيان والتبين في الموضوع، ولاستطلاع الإجابات الشافية, لا بد من بحث مفصل تتجمع فيه وجهات النظر وأدلتها الشرعية والعقلية, ومنهجيتها في النظر والتحليل والتنزيل, الشيء الذي يستعصي في هذا المقام, لكن الهامش المتاح سنوظفه لرفع بعض اللبس ووضع مقدمات لبحث مستقبلي.

¤ في قضايا كهذه، لا بد من الاحتكام للكتاب والسنة, ثم لإجماع جمهور الأمة, لهذا عمدت عرض بعض المواقف الفقهية التي عرضها سيد سابق في كتابه فقه السنة الذي يلقى إقبالا وإجماعا:

دواعي وقف القتال

"1- الدخول في الإسلام: إسلام المحاربين أو إسلام بعضهم...

2- عقد الهدنة والموادعة: طلبهم إيقاف القتال مدة معينة...

3- عقد الذمة: رغبتهم في أن يبقوا على دينهم مع دفع الجزية.

4- الغنائم: هزيمتهم, وظفرنا بهم, وانتصارنا عليهم, وبهذا يكونون غنيمة للمسلمين.

5- عقد الأمان: إذا طلب بعض المحاربين من الأعداء الأمان, أو إذا طلب الدخول في دار الإسلام..."[29>.

عقد الذمة

" الذمة هي العهد والأمان, وإقراره يكون بشرطين: * أن يلتزموا أحكام الإسلام في الجملة.

* أن يبدلوا الجزية.

أما موجبات هذا العقد فهي حرمة قتال الذميين, والحفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم, وكفالة حرياتهم, والكف عن أذاهم؛ لما روي عن علي (رض) أنه قال:"إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا, وأموالهم كأموالنا", والقاعدة العامة التي رآها الفقهاء في هذا الباب: «أن لهم ما لنا, وعليهم ما علينا»، كما توجب الجزية حمايتهم والمحافظة عليهم وعلى حريتهم الشخصية والدينية، ودفع من قصدهم بأدى، وإقامة العدل بينهم، والانتصاف من الظالم. أما نواقض هذا العهد فيمكن إجمالها في: الامتناع عن الجزية، أو إباء التزام حكم الإسلام إذا حكم حاكم به، أو تعدى على مسلم بقتل، أو بفتنته عن دينه، أو زنا بمسلمة، أو عمل عمل قوم لوط، أو قطع الطريق، أو تجسس أو آوى الجاسوس، أو ذكر الله أو رسوله أو كتابه أو دينه بسوء، فإن هذا ضرر يعم المسلمين في أنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم, وأخلاقهم، ودينهم."[30>

الأمان

" المستأمن: هو الحربي الذي دخل دار الإسلام بأمان دون نية الاستيطان بها والإقامة فيها بصفة مستمرة.

?وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون?التوبة/6، يتقرر حق الأمان بمجرد إعطائه، ويعتبر نافذا من وقت صدوره إلا أنه لا يقر نهائيا إلا بإقرار الحاكم، أو قائد الجيش. وإذا تقرر الأمان صار المؤمن من أهل الذمة، وأصبح له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. ومهما تقرر الأمان بالعبارة أو الإشارة، فإنه لا يجوز الاعتداء على المؤمن، لأنه بإعطاء الأمان له عصم نفسه من أن تزهق ورقبته من أن تسترق. ولا يجوز إلغاء أمانه إلا إذا ثبت أنه أراد أن يستغل هذا الحق في إيقاع الضرر بالمسلمين، كأن يكون جاسوسا لقومه، وعينا على المسلمين."

يتبين مما سبق أن الأصل عند المسلمين في علاقتهم بالآخر هو الدعوة والتبليغ، ومنحه الاختيار في الاعتقاد دون الإكراه، وفي حالة الحرب فالأولى للسلم إن جنح لها العدو حقيقة، وللعهود إن كانت مطلبا ومخرجا؛ كما يستنتج من تاريخ الأمة أن المسلمين دوما عند عهودهم، لا ينقضونها ولا يخونون؛ لكن حرصهم على بيضة الإسلام، وصيانة داره من الاختراق والعبث، أوجب عليهم اليقظة, ومتابعة المعاهدين إذا تبت عليهم بالحجة والدليل نقضهم للعهد بالخيانة، أو التجسس، أو المكر، أو التمرد... أكيد أن الجريمة تتباين جسامتها حسب نوعها, فالجريمة الجنائية تكون المحاكمة فيها للمعاهد كأي مواطن، لكن الجريمة التي تمس أمن الدولة أو مكانة الدين لصالح الأعداء من قوم المعاهد، تعتبر مناقضا للعهد وخرقا تآمريا يستدعي فك العقدة ومحاكمة توافق جسامة الجرم.

على هذه الأرضية نستحضر اجتهادات مجموعة من العلماء والجماعات لنقارب بينها، ثم نستخلص موقفا متزنا صحيحا في موضوع القتل والموالاة:

--------------------------------------------------------
الفواكه الدواني علىرسالة ابن أبي زيد القيرواني للإمام النفراوي- ج1 ص410- باب الجهاد.[1>
كتاب التربية الإسلامية السنة الثالثة الثانوية ص13- 14 .[2>
سيد قطب – نحو مجتمع إسلامي- ص100.[3>
زاد المعاد ج 3/9. والنص عن د. أحمد علي الإمام كتاب الأمة – المستقبل للإسلام- ص70- 71. [4>
رواه الترمدي في كتاب فضائل القرآن-2, وأحمد في مسنده 6/20-22.[5>
متفق عليه.[6>
رواه مالك في موطئه ومسلم في صحيحه.[7>
د. فريد الأنصاري – بلاغ الرسالة القرآنية- ص106و107 بتصرف.[8>
منشورات الحركة من أجل الأمة – رسالة البصيرة – ص128.[9>
رواه أحمد. كما أخرجه أبو داود وأبو نعيم في الحلية بلفظ الموت مكان القتال.[10>
د.منير شفيق –الإسلام في معركة الحضارة- ص89.[11>
سيد قطب – نحو مجتمع إسلامي- ص104.[12>
سيد قطب – نحو مجتمع إسلامي- ص107. [13>
كتاب التربية الإسلامية السنة الثالثة التانوية ص16و17.[14>
سيد قطب – نحو مجتمع إسلامي- ص108. [15>
رواه مسلم.[16>
أخرجه مسلم.[17>
أخرجه البخاري وأحمد وابن ماجة.[18>
أخرجه مسلم.[19>
كتاب التربية الإسلامية – السنة الثالثة الثانوية- ص17.[20>
رواه البخاري.[21>
رواه أبو داود والنسائي.[22>
رواه مسلم.[23>
د.إدريس الكتاني – مقال كيف نفهم التطرف الديني, كتاب العربي العدد 14- ص78.[24>
رواه مسلم في صحيحه.[25>
رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم، وإسناده صحيح.[26>
متفق عليه.[27>
د. يوسف القرضاوي – الإسلام بين الجحود والتطرف- ص .[28>
د.سيد سابق – فقه السنة- ص43.[29>
د. سيد سابق – فقه السنة- ص45...52 بتصرف.[30>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة السابعة   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:24 am

على هذه الأرضية نستحضر اجتهادات مجموعة من العلماء والجماعات لنقارب بينها، ثم نستخلص موقفا متزنا صحيحا في موضوع القتل والموالاة:

الشيخ محمد الغزالي

" إن الإسلام ينظر إلى من عاهدهم من اليهود والنصارى على أنهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو الجنسية مسلمين، فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات, وإن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم وعباداتهم وأحوالهم الخاصة... ومن ثم فهو (الإسلام) يقيم نظمه الاجتماعية على أساس الاختلاط والمشاركة. ولا يرى حرجا من أن يشتغل مسلم عند أهل الكتاب عند مسلم"[1>

كما يدلي بدلوه في مسألة الولاء والبراء الذي يؤسس على آيات الموالاة كقوله تعالى:?يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء..?المائدة/51، وقوله تعالى:?لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين?آل عمران/28, فيقول أن:"الاستشهاد بهذه الآيات للتدليل بها على أن المسلمين مدعوون إلى مقاطعة غير المسلمين وعدم توادهم، إنما هو بمثابة تحريف للكلام عن مواضعه، إذ أنها جميعا واردة في المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله، وتنفير أفراد الأمة من معاونة خصومها واجب يتجدد في كل عصر"[2>

الدكتور يوسف القرضاوي
يرى الدكتور في عقد الذمة أن "القاعدة الأولى في معاملة أهل الذمة في دار الإسلام، أن لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، كما أن عليهم ما على المسلمين من واجبات، إلا ما استثني"[3>، ويفصل في الحقوق قائلا: "حق الحماية من الاعتداء الخارجي والظلم الداخلي –وحماية الدماء والأبدان-حماية الأموال –حماية الأعراض –التأمين عن العجز والشيخوخة والفقر -حرية التدين –حرية العمل والكسب.."[4>، ويزيد على هذه الحقوق قائلا:"لأهل الذمة الحق في تولي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية، كالإمامة ورئاسة الدولة, والقيادة في الجيش (باعتبار أن قيادة الجيش عمل عبادي،لأن الجهاد في قمة العبادة الإسلامية)، والقضاء بين المسلمين(إذ يفترض أن الحكم يتم بمقتضى الشريعة الإسلامية ولا يطلب من غير المسلمين أن يحكم بما لا يؤمن به)[5>. أما واجبات الذمي فيحصرها الشيخ في ثلاثة هي:"أداء الجزية والخراج والضريبة التجارية، والتزام أحكام القانون الإسلامي في المعاملات المدنية وغيرها، احترام شعائر المسلمين ومشاعرهم..., التسليم وإلقاء السلاح, والخضوع لحكم الدولة الإسلامية"[6>. أما عن الموالاة لغير المسلمين فيقول:"أن النهي القرآني منصبة على موالاة غير المسلمين إذا تمت على حساب المسلمين, من ناحية، فضلا عن أن النهي متجه إلى موادة من أذى المسلمين وأعلن عداءه لله ورسوله"[7>. ويستشهد ب:"أنه إذا كان الإسلام قد أباح للمسلم التزوج من أهل الكتاب، فإن ذلك يدل على أن مودة المسلم لغير المسلم لا حرج فيها"[8>.

الشهيد سيد قطب

موقف سيد يقابل الموقف السابق، فهو يدعوا للمفاصلة التامة بين المسلم وغيره، فيرى "أن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب، ولكنه منهي عن الولاء لهم، بمعنى التناصر والتحالف معهم...ولا ينبغي أن يتميع حسم المسلم في المفاصلة الكاملة بينه وبين كل من ينهج غير الإسلام"؛ على اعتبار أن "المفاصلة الكاملة لم تكن كاملة ولا حاسمة بين بعض المسلمين في المدينة وبعض أهل الكتاب...فقد كانت هناك علاقات ولاء وحلف، وعلاقات اقتصاد وتعامل وعلاقات جيرة وصحبة...وكان هذا الوضع يتيح لليهود أن يقوموا بدورهم في الكيد لهذا الدين وأهله...ونزل القرآن ليثبت الوعي اللازم للمسلم في المعركة التي يخوضها بعقيدته، لتحقيق منهجه الجديد في واقع الحياة، ولينشئ في ضمير المسلم تلك المفاصلة الكاملة بينه وبين كل من لا ينتمي إلى الجماعة المسلمة"[9>، وبهذا يعتبر الأمر يتجاوز المعتدين والمحاربين إلى كل اليهود والنصارى، "حيثما كان لهم تعامل مع أي جماعة مسلمة وفي أي ركن من أركان الأرض إلى يوم القيامة"، ويثبت ذلك بقوله:"إن القرآن يربي الفرد المسلم على إحساس إخلاص ولائه لربه ورسوله وعقيدته وجماعته المسلمة ، وعلى ضرورة المفاصلة الكاملة بين الصف الذي يقف فيه، وكل صف آخر لا يرفع راية الله، ولا يتبع قيادة رسول الله، ولا ينضم إلى الجماعة التي تمثل حزب الله"[10>.

جماعة الجهاد المصرية

على نفس المنوال الفكري لسيد قطب سارت جماعة الجهاد، فأفرزت اجتهادات حادة في الكثير من القضايا من قبيل الديمقراطية والمشاركة السياسية لغير المسلم، وهكذا انتقدوا الديمقراطية لكونها "تجعل المواطنة هي أساس التسوية بينهم، بغض النظر عن الدين والتقى... ويأبى الإسلام ذلك، يأبى التسوية بين مسلم وكافر...فالكافر لا تجوز ولايته ولا بد من أن يدفع الكتابي الجزية للدولة المسلمة.."[11>. وفي مرجع ينسجم مع هذه الرؤية يقول صاحبه:"في دولة الإسلام ينقسم المسلمون إلى قسمين، المسلمون وغير المسلمين، فأما المسلمون فهم أصحاب الدولة والسلطان، والقائمون على أمر الناس بالقسط. وأما غيرهم فهم أهل عهد وذمة إذا رضوا، فلهم عهدهم وعلى المسلمين برهم وهم تحت السلطان، وإن لم يرضوا فهم أهل حرب وعدوان"[12>، ويزيد قائلا:"أما في ظل دولة الإسلام أيا كان اسمها، فلا مفر من الجزية, ولا مشاركة في الحكم، ولا اعتماد عليهم في رفع ولا جهاد، وإنما هم دوما في حالة ينبغي أن تشوههم بقوة الإسلام، وعظمته وسموه، وخيره وكرمه وسماحته. أي في حالة تدفعهم-على الجملة- للدخول فيه اختيارا"[13>.

الجبهة الإسلامية بالسودان

في المادة العاشرة من دستورها –الفصل الخاص بالأهداف السياسية- تحدد علاقتها بغير المسلم قائلة:"من مبادئ الجبهة صيانة حقوق الكيانات الدينية غير المسلمة، بما لها من البر والقسط والسماحة في المعاملات الخاصة، والمساواة في الحقوق السياسية والمدنية وحرية الاعتقاد والعبادة، واستقلال نظم الأحوال الشخصية والتعليم الديني"[14>, كما تؤكد هذا الموقف الثابت عندها،في البيان الختامي عند التأسيس "لا نضيق بمشاركة غير المسلم في مجالات إعمار الحياة الدنيا، فيما يمكن أن يتعاون فيه الناس جميعا"[15>.

هذه نماذج من اجتهادات العلماء ومواقف الحركات الإسلامية حول قضايا حساسة، وقد سيقت من باب الاستدلال لا الحصر,فهي تعكس ذلك التباين المتراوح بين التسامح والتعايش من جهة والقطيعة والمفاصلة من جهة أخرى. وخطورة الموضوع لا تكمن فقط في العلاقة بالذمي والعقد الذي ينظم العلاقة به، بل يتجاوز هذا ليؤسس إما لفكر متسامح مرن، أساسه العدل والحرية للجميع، وهدفه الاحتواء والدعوة، أو لفكر جدري استئصالي يقوم على إلغاء الآخر بما في ذلك المسلم المخالف، ثم على التكفير والتبديع كأصل في العلاقة سواء بين الدولة المسلمة وأقلياتها، أو بين الأقليات المسلمة ودول المهجر، وبالتالي يهدر دماء الكل، فيخوض في القتل تحت تأويلات فقهية شادة، وقراءات واقعية خاطئة، لا تقدر قيمة الخسائر التي قد تنعكس على الإسلام هنا أو هناك... قولنا بخطئية وزيغ هذا المنهج لا ينفي عنه صدق النية والمقصد، وتحريه الصواب وإن فقده، ودليلنا على ذلك، استعداد أعضائه للتضحية وتحمل تبعات مواقفهم، وما مرارة تصريحات رموزهم، ومحاولاتهم في التقعيد الفقهي والتبرير الشرعي لأفعالهم إلا حجة على خلفيتهم الإسلامية... لكن كل هذا لا يشفع لهم عند الناس إن جانبوا الصواب وارتكبوا أخطاء قاتلة، قد تصل تداعياتها لكل المسلمين، فتعصف بمكاسب قد تحققت، لهذا تبقى المراجعة اليوم لهذه الاجتهادات الفقهية ملحة أكثر مما مضى، فقولهم بـ:

* عدم مشروعية العهود القائمة للاعتبارات التالية:

- مرجعيتها الطاغوتية المتمثلة في القانون الدولي وشرعية الأمم المتحدة.

- تبعاتها المخالفة لأحكام الشريعة، كتمكين الكفار من أرض المسلمين وخيراتها ومن الحرية في الطقوس وبناء دور العبادة

- عدم أهلية المعاهِد بالنيابة عن الأمة لخيانته وتبعيته، وتولية الكافرين وتناصرهم على المسلمين...

* لدواعي نقض العهود - حتى إن سلم بها- ك: - محاربة المسلمين في قطر من أقطار العالم الإسلامي، على اعتبار نصرة المسلم أينما كان واجبة إذا تعذر عليه دفع العدوان.

- لنواقض الشرعية الدينية في العهد، السابق ذكرها.

كل هذه الأسس النظرية الاجتهادية مردود عليها في المنهج الوسطي، فمواجهة الفساد والظلم محكومة بقواعد تستوعب سنن التغيير وفقه الواقع وفقه الموازنات...إذ المآلات محدد حاسم عند الترجيح في شكل وتوقيت المواجهة، فمثلا:

* نقل المواجهة مع الأعداء طوعا إلى ديار المسلمين: بدعوى سيادة حكام الجور، أو إقامة إخوان في الدين للأعداء بين ظهرانينا؛ دون مراعاة دماء المسلمين، ولا استقرار أحوالهم، ودون اعتبار العهود والمواثيق، ودون الفصل بين القضايا الخارجية التي تحتاج لتوسيع جبهتنا وتصليبها والقضايا الداخلية التي تتطلب صيغ حضارية مدنية للتدافع وإرجاع الحقوق...

* نقل المعركة إلى كل بلدان العالم: على اعتبار الحرب شاملة يجب أن تحرق نارها كل أركان الكون وخصوص ديار الكفر، دون إدراك أن إشعال نار الحرب هناك ستغلق باب الدعوة وتؤثر على سمعة الإسلام، وتضيق الخناق على المسلمين، ودون الوعي بأن الأمر يتضمن اعتداء على أبرياء لم يرتكبون جرما وقد يكونوا مناهضين لاعتداءات أقوامهم بل أحيانا مناصرين لقضايانا العادلة، وبذلك نخسر الأنصار ونكثر الأعداء...

ولتثبيت هذا المنهج أسوق أدلة أخرى تؤيد ما ذهبنا إليه من صيانة حقوق المعاهدين، وحماية غير المسلمين بل إعطائهم حق الحكم الذاتي، ثم أختم هذه الفقرة بملاحظات هامة:

أدلة شرعية

قال الله سبحانه وتعالى: ?لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين?الممتحنة/8، وفي تفسيرها نعرض ما جاء في الظلال: "إن الإسلام دين سلام، وعقيدة حب، ونظام يستهذف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الله، إخوة متعارفين، متحابين، وليس هنالك من عائق يحول دون اتجاهه هذا، إلا عدوان أعدائه عليه، وعلى أهله. فأما إذا سالموهم، فليس الإسلام براغب في الخصومة، ولا متطوع بها كذلك، وحتى هو في حالة الخصومة، يستبقي أسباب الولوج في النفوس، بنظافة السلوك، وعدالة المعاملة، انتظارا لليوم الذي يقتنع فيه خصومه، بأن الخير أن ينضووا تحت لوائه الرفيع، ولا ييأس الإسلام من هذا اليوم، الذي تستقيم فيه النفوس، فتتجه هذا الاتجاه المستقيم." ويمضي صاحب الظلال: "...الحالة الثابتة، لا يغيرها إلا وقوع الاعتداء الحربي، وضرورة رده، أو خون الخيانة بعد المعاهدة، وهي تهديد بالاعتداء، أو الوقوف بالقوة في وجه حرية الدعوة، وحرية الاعتقاد، وهو كذلك اعتداء، وفيما عدا هذا، فهي السلم، والمودة، والبر، والعدل للناس أجمعين"[16>.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدا لم ير رائحة الجنة، وأن ريحها من مسيرة أربعين عاما»[17>.

وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة»[18>.

أدلة تاريخية

- وثيقة المدينة: أول وثيقة تفصيلية، بين المسلمين وأهل الكتاب، ضمنت حرية الاعتقاد، والفكر، وحقوق المواطنة الكاملة، هي الوثيقة المعروفة بوثيقة المدينة، وهي تبدأ هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب محمد النبي، رسول الله، بين المؤمنين، والمسلمين من قريش، وأهل يثرب، ومن تبعهم، ولحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة، من دون الناس...

- عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران: وهو عهد ضمن لنصارى نجران، وعشيرتهم وأماكن عبادتهم، وألا يغير أسقف، ولا راهب، ولا كاهن.

- عهد أبي بكر لأهل نجران: ولما آلت الخلافة إلى أبي بكر(رض)، فإنه أكد في عهد منه لأهل نجران، أنه أجارهم بجوار الله، وذمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على أنفسهم، وأرضهم، وملتهم، وعبادتهم، وأساقفتهم، ورهبانهم، وفاء لهم بكل ما ورد في العهد النبوي لنصارى نجران.

- عهد عمر لأهل إيلياء: وعلى ذات النهج، سار عمر (رض)، فأعطى لأهل إيلياء عهدا، وأمانا لأنفسهم، وأموالهم، ولكنائسهم، وصلبانهم، وسقيمهم، وبريئهم، وسائر ملتهم، ألا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صلبهم، ولا من شيء من أموالهم، وألا يضار أحد، ولا يكره على الدين.

واستقر هذا النهج يسود في العهد النبوي، وعهد الخلافة الراشدة، واستمر إلى زمن المماليك، والدولة الإسلامية. واتساقا مع موقف المسلمين الثابت, في حماية غير المسلمين، من أهل ذمتهم، في دمائهم، وأموالهم، أنه لما أراد أحد سلاطين التتار أن يطلق سراح أسرى المسلمين، دون النصارى، اعترضه الإمام ابن تيمية، لأنه سرى في حقهم ما يسري في حق المسلمين، وأنه إن لم يطلق سراحهم، جاهد المسلمون، واستأنفوا القتال، لافتكاكهم.."[19>.

ملاحظات ترجيحية

1-" مقاربة هذا الموضوع يجب أن تتم من باب العدل لا من باب المساواة: لأن مقتضى العدالة أن يعطى كل ذي حق حقه كاملا في ظل الضروف الموضوعية التي تحيط به، بينما مقتضى المساواة يفترض تماثلا بين الطرفين في الشكل والموضوع.

مثال: إجازة زواج الكتابي من المسلمة، قياسا على السماح للمسلم الزواج من الكتابية.. لكننا نحسب أن ذلك مما لا يجيزه مقتضى العدل، من حيث أن المسلم عندما يتزوج من الكتابية فهو يرتبط بمن يعترف بدينه ونبيه, ويطالب شرعا باحترام اعتقاد الزوجة..

2- يجب التمييز بين ما هو شريعة وبين ما هو فقه: أي ما هو منطلق من دليل شرعي من الكتاب والسنة يلزمنا ويحتج به علينا، وما هو اجتهاد بشري لا يلزمنا في شيء، وإنما يظل منسوبا إلى أصحابه، فضلا عن أنه ينبغي أن يقاس بمعيار النصوص الشرعية، فإن اتفق مع نصها ومقصودها قبلناه، وإن تعارض مع هذا أو ذاك نحيناه جانبا.

3- البيئة والمناخ عاملان مرجحان للمواقف والاجتهادات: ألا يحثنا ذلك على توسيع دائرة البحث لنتناول طبيعة المرحلة الرديئة التي نمر بها، وعناصر السلب التي تستشري فيها، والتي تشجع أو تعزز أمثال تلك التوجهات المرضية والأفكار التي تهدد سلامة البناء الاجتماعي، ناهيك عن انتهاكها لمقاصد الشريعة وغايتها.

4- منهج التطرف والقطيعة والمواجهة توسع ليشمل المسلمين وديارهم: فهذه التيارات هي ذاتها التي تتبنى فكرة جاهلية المجتمع بأسره، ومن عباءة الجاهلية خرجت دعوة التكفير. وقسوة هذه المدرسة على المسلمين لا تقل عن قسوتهم على غير المسلمين. من حيث أن مقولات بعض رموزها تطعن في إيمان عامة المسلمين وتجرح سلامة اعتقادهم، في حين يخرجهم البعض من الملة والعياذ بالله.

5- حاجتنا لمراجعة التراث الفقهي في باب العلاقة بالآخر: الباحث الذي يتصدى لموضوع غير المسلمين، لا يسعه إلا أن يعترف بالحاجة الملحة إلى معالجة للموضوع أوسع وأكثر عصرية، لا تستهدف فقط تحديد موقف واضح من قضايا المواطنة والجنسية والجزية وعقد الذمة وما إلى ذلك، ولكنها تهدف أيضا إلى تنقية التراث من بعض الشوائب التي تعتريه في هذا الصدد، ومراجعة بعض الاجتهادات التي لا نحسبها أفضل تعبيرا عن أحكام الشريعة ومقاصدها."[20>

6-"وثيقة 'الصحيفة' وثيقة دستورية منظمة للدولة والمجتمع في إطار السيادة للشريعة. ومن قراءة هذه الوثيقة، يظهر بجلاء:

أ- الأساس الدستوري التعاقدي الذي قامت عليه الدولة الإسلامية الأولى.

ب- أن الاعتقاد ليس شرطا في المواطنة في إطار الدولة الإسلامية. لقد حددت الوثيقة بدقة حقوق المواطنة –مسلمين وغير مسلمين- وواجباتهم.

ج- أن الرسول صلى الله عليه وسلم عزز لبنات المجتمع المدني الذي أساسه التعايش والاحترام المتبادل بين أفراده ومكوناته مسلمين وغير مسلمين.

د- أن الدولة الإسلامية الناشئة قد اختارت 'حلف الموادعة' مع القبائل المجاورة والمتاخمة كما اختارت الميثاق السياسي (الصحيفة) في تنظيم العلاقة بين مواطنيها مسلمين وغير مسلمين.

لقد صاغ الرسول صلى الله عليه وسلم الحياة العامة على معايير واضحة أساسها: العدل والقسط، ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ورفض الإكراه في الدين.

7- إن مرحلة التمكين للمسلمين سمحت بالمزاوجة بين جهاد الكلمة والدعوة (كجزء من الجهاد المدني) والجهاد القتالي: ولم يكن الجهاد القتالي مطلوبا لذاته بل لغيره. وهذا الغير هو فتح المجال أمام الدعوة الإسلامية وإزالة كل القيود أمامها ولوقف تداعيات العدوان الوثني والهجمة الجاهلية الشرسة."[21>

8-"التكفير حكم شرعي لا مدخل للرأي المجرد فيه: وللحكم بالردة والكفر موجبات وأسباب هي نواقض الإيمان والإسلام من اعتقاد أو قول أو فعل أو شك أو ترك مما قام على اعتباره ناقضا الدليل الواضح والبرهان الساطع من الكتاب أو السنة أو الإجماع... ثم إن إصدار الحكم بالتكفير لا يكون لكل آحاد الناس أو جماعاتهم وإنما مرد الإصدار إلى العلماء الراسخين في العلم الشرعي المشهود لهم بالخيرية والفضل. كما أن للحكم بالكفر موجبات وأسباب، فله شروط وموانع: فيشترط إقامة الحجة الرسالية التي تزيل الشبهة وخلوه من الموانع كالتأويل والجهل والخطأ والإكراه."[22>

9- الجهاد المدني أأمن وأسلم، وإن كان يستدعي طول النفس: "قد يكون العمل السياسي السلمي بطيئا في تحقيق النتائج، ويقتضي بذل جهود أكبر وتضحيات أكثر، ولكنه يؤدي بالتأكيد إلى نتائج أكثر ثباتا وأسلم عاقبة. إن استخدام العنف المسلح قد(يسرع) الاعتراف والحضور السياسي، (ويسرع) بروز القيادات وواجهاتها السياسية، ولمعانها في وسائل الإعلام، ولكن ذلك كله يحصل على حساب سمعة الإسلام وفرص المشروع الإسلامي في النجاح، وسلامة العاملين والمجاهدين، وبثمن باهض من الدماء والممتلكات..."[23>

10-"مما سبق يتضح أن الجهاد بمفهومه الخاص في الإسلام هو بمثابة عملية جراحية، والتي لا ينبغي بأية حال من الأحوال أن تتجاوز موطن الداء، ولا أن تتوسع لبتر الأعضاء السليمة، وبذلك يسعد الجسم البشري بسعادة وسلامة دائمين"[24>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة الثامنة   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:26 am

ج- التكليف بمعنى التغيير:

‹ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان › صحيح مسلم- كتاب الإيمان-

"التغيير هو مجموعة من التحولات والتغيرات التي تحول من هوية الفرد أو المجموعة أو التنظيم فتجعل منه كيانا غير الذي كان عليه من قبل، وهو إما أن يكون جزئيا أو كليا ومن ثم جذريا، وقد تساهم في إحداثه مؤثرات داخلية وأخرى خارجية، وقد يأتي بشكل عفوي، كما قد يأتي كثمرة لتخطيط معين. ولا بد من فريق عمل يقوم على إدارته وتدبيره، وهو ليس حدثا طارئا وإنما هو عملية متسلسلة ومترابطة تمر من مراحل متعددة"[25>. والتغيير سنة من سنن الله في خلقه, وما دوام الحال إلا من المحال, كما أن الماء الراكد الذي لا يتحرك ولا يتغير عكر لا تنتعش فيه سوى الحشرات والطفيليات.

أما عن التغيير المنشود فهو القائم على المرجعية الإسلامية, الساعي إلى تحكيم الإسلام عقيدة وتدينا ومنهج حياة, والطامح لإحياء الأمة بإعادة عزها ووحدتها وتقويض عوامل الفساد فيها... إنه باختصار: استبدال واقع بآخر أفضل منه. وميزة التغيير عما سبق من التكاليف أنه عملية أشمل وأدق, تتضمن الدعوي والجهادي.. وتتم بإطارات جماعية تنظيمية, ووفق برنامج محدد, وحسب قواعد وشروط، دونها يستعصى تحقيقها, أو ينقلب الأمر إلى فتنة وواقع أسوء من سابقه.

من بين شروط وقواعد التغيير الإسلامي ثوابت ومتغيرات, لابد من التمييز بينها, والأخذ بها عند التنظير و التشخيص و التنزيل, دون الخلط أو التعميم. وللاستفادة نسوق نماذج منها للتعرف والتأمل:

* ثوابت التغيير الإسلامي:

ثوابت التغيير الإسلامي، بمثابة أهداف كلية عامة, إذا ما نقضها أي مشروع تغييري اعتقادا أو منهجا طعن في صلاحيته ومبدئيته. فهي غير خاضعة للتكتيك أو المساومة, وهي محط إجماع بين مختلف التجارب التغييرية الإسلامية, بدء بتجارب الأنبياء والرسل.

من بين هذه الثوابت ما انتهى الإسلام إليه من أركان الدين والعبادات والأخلاق والأحكام.أي " كل ما يتعلق بالعقيدة والعبادات والمرجعية والحلال والحرام ومختلف التعاليم الأساسية"[26>. مثلا:

- عقيدة التوحيد :
تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى أولى أولويات المشروع التغييري الإسلامي, وهدفا ساميا عنده. شعاره في ذلك "لا إله إلا الله ", وقولنا فيه ما قاله الأنبياء لأقوامهم ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره...), وحجتنا عليه ما احتج به الموحدون من بعد الأنبياء والرسل " جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد...". أما ما يترتب عن التسليم بثابت التوحيد, فهو إلزامية اعتماد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كمصدر للتشريع, وكمرجع أعلى للمشروع التغييري, دون أن يشكل ذلك مركب نقص في أنفسنا أو مشاريعنا, بل يجب الجزم أن طلب العزة والنصر في غير الإسلام مذلة ومهانة.

- تحقيق العدل :

من الأكيد أن الدعوة للتوحيد تستتبع بالنظر إلى حال وواقع المدعوين, قصد تخليصهم من أغلال الشرك وأصفاد الجاهلية, التي تتحكم في رقاب العباد، مما يحول دون حريتهم في التصرف والاعتقاد، و يجعل منهم خدما لأعتابها, وعبيدا تحت رحمتها. إن دعوة التوحيد، دعوة لإقامة العدل والحق والقسط, ومواجهة الظلم والاستغلال.[27>

- مواجهة الكفر :

أكيد أن دعوة التوحيد والعدل تتناقض مع الكفر وأهله, وتهدد الظلم وأصحابه؛ لذا، وجب على الدعاة أن يتوقعوا من أعداء الحق والتغيير, استخدام كل ممكن من عنف وإغراء لقطع الطريق عنهم والحيلولة دون النصر. إنها المكاره التي تتربص بأهل التغيير, حيث تتخذ مرة شكل الترهيب بالاعتقال والتعذيب والنفي, ومرة شكل الترغيب بشراء الضمائر وإفساد السرائر... قال تعالى :? لتبلون في أموالكم وأنفسكم, ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم, ومن الذين أشركوا أذى كثيرا. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ? آل عمران/186. إنه لا مفر لأصحاب التغيير من المكابدة والصبر واحتمال الأذى, إقتداء بالأنبياء والرسل والصحابة والأئمة والعلماء والمصلحين, وامتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى : ? وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله, وما ضعفوا وما استكانوا, والله يحب الصابرين ? آل عمران/146, واستجابة لتذكرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرث عندما شكاه ما يلقاه من عذاب اكتوى به جسمه: ‹ لقد كان قبلكم ليمشط بمشاط الحديد دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ›[28>.

- ثابت محوري :

لا تغيير دون تغيير الذات ومراجعة النفس, ودون تجسيد طموحات المشروع في القناعات الشخصية والاعتقاد والسلوك, إذ ? إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ? الرعد/11، فجزما " لا تغيير دون الإيمان بالله تبارك وتعالى , والاتكال والاعتماد عليه, وطلب رضاه والعمل خالصا لوجهه وفي سبيله, والتقيد الصارم بأوامره في شؤون المعاملات والأخلاق كما في شؤون العبادة ..."[29>، وفاقد الشيء لن يعطيه.

وإن أول من يكون مطالبا بتمثل هذا التغيير في نفسه هو "القائد الإسلامي, باتصافه بالسلامة في العقيدة والتقوى والإيمان, وإخلاص في النية لله, والصلابة في التمسك بثوابت الدين, فضلا عن تحليه بالسمات المطلوبة كالقدرة على إنزال النص في الواقع, والتجديد في الاجتهاد ومعالجة المستجدات, كحسن إدارة الصراع والارتفاع إلى مستوى التحديات التي تواجه الأمة" [30>.

* متغيرات التغيير الإسلامي:
المتغيرات أو ما يصطلح عليه بالثوابت المتغيرة, هي الخصوصيات أو التباينات التي تسمح بهامش من المرونة والتكتيك, دونها تستعصي عملية التغيير وتفقد مرونتها. عند تحديدها تراعى الظروف الزمكانية وموازين القوى, وبالتالي تُفرز أهداف مرحلية ووسائل ممكنة, لن يترتب عنها تنازل عن أي مبدأ كلي، بل إنجازها يحقق المراكمة التي توصل للأهداف العامة.

- الأهداف المرحلية الوسيطة:

إتضح مما سبق أن الهدف المرحلي الوسيط من بين المتغيرات التي تمهد لتحقيق الهدف الكلي العام, عن طريق الإنجاز التراكمي الواعي؛ لكن تحديد بعضها أو كلها يبقى أمرا اجتهاديا وخلافيا بين مشاريع التغيير الإسلامي, سواء اشتركوا في نفس الزمان والمكان أي نفس الواقع, أو تباينوا فيه.

أما مرتكزنا الشرعي ودليلنا على الموضوع, فهو سير الأنبياء والرسل(ع), حيث جعل كل منهم مطية تحقيق التوحيد, التصدي للفساد المستشري في قومه. فمثلا : نبي الله لوط (ع) واجه الإنحراف الأخلاقي المتمثل في إتيان الفاحشة, قال تعالى : ? ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ? الأعراف/80. ونبي الله شعيب (ع) قد تصدى للفساد الإقتصادي الكامن في إخسار الكيل وبخس الناس أشياءهم ? أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين, وزنوا بالقسطاس المستقيم, ولا تبخسوا الناس أشياءهم, ولا تعثوا في الأرض مفسدين ? الشعراء/181-183. أما الفساد السياسي الذي طبع حكم فرعون, بطغيانه وتحكمه في رقاب العباد, وادعائه الربوبية، فقد واجهه موسى عليه السلام ?وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين, حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق, قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل? الأعراف/104-105. " يلحظ من متابعة قصص الأنبياء عليهم السلام, أن ثمة أهداف وسيطة في كل حالة, وهذه الأهداف تأخذ شكل محاربة عدو بعينه, ومحاربة مظاهر شرك بعينها, ومحاربة ألوان محددة من الفساد والمظالم. أو بعبارة أخرى واجهت كل دعوة رسالية نمطا محددا من العقبات التي كانت تحول دون تحقيق الهدف الكلي... وهو هدف انتصار عقيدة التوحيد. "[31>.

- أساليب التغيير:

مساحة الاختلاف بين مشاريع التغيير تتسع, لتستوعب مجموعة من أشكال المواجهة والإصلاح, دونها لا يمكن تحقيق الأهداف الوسيطة. فالتباين في الاجتهاد, المؤسس على تقدير هذه الأهداف, يترتب عنه انتقاء أسلوب تغييري مناسب، بمعنى شكل المواجهة وإدارة الصراع- الاستراتيجية والتكتيك بلغة العصر-.. ولقد كان لكل نبي (ع) أسلوب في المواجهة, من جنس بيئته المعاشة، ويديره بوحي من الله سبحانه ومعية منه تعالى, وبحنكة تفوق تقديرات قومه وإمكانات طاغوت عصره. عند المقارنة بين هذه التجارب، نقف على عناصر التماثل بين أساليبها التغييرية المتبعة، مثل الدعوة كمقدمة والصبر كمنهج .. كما نستنتج عناصر التباين بينها، التي تمثل خصوصيات كل تجربة في المعالجة والمواجهة، كهجرة القوم, أو المشاركة في الحكم, أو المواجهة بالحجة والبرهان, أو تحطيم رموز الشرك وتسفيه أحلام المشركين, أو الحرب والقتال... وبما أن تجارب الأنبياء تمثل مدارس تغييرية, أسست لمراحل ساد فيها التوحيد والعدل، فهي لنا معالم يجب الوقوف عندها تأملا وتدبرا, حتى نعمق من وعينا الحركي... فمثلا الأسلوب الذي اعتمده محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان بحجم التحديات التي واجهها( رسول من العرب, ورسالته خاتمة, وجبهات متعددة كفر وشرك ونفاق..). حيث أدار الصراع صلى الله عليه وسلم بعمق وشمول, وجعل لكل مرحلة أسلوبها المناسب: ففي مرحلة الاستضعاف انتهج الدعوة وكف الأيدي والصبر, والسرية قبل الجهر, ثم الهجرة وبناء القاعدة الصلبة... وفي مرحلة التوازن الاستراتيجي أذن صلى الله عليه وسلم بالقتال, وعقد تحالفات واتفاقيات للهدنة, كصلح الحديبية الذي وازته التعبئة وتوسيع القاعدة والاستعداد للمواجهة... أما مرحلة التفوق الاستراتيجي فقد اتسمت بالهجوم الموسع على قواعد الكفر, والمواجهة الشاملة مع كل الأعداء وعلى أكثر من جبهة... إن تجربة رسول الله صلى الله عليه وسلم غنية بالدروس والعبر, ومتنوعة الوسائل, وفاصلة بين الثابت والمتغير, كما تؤكد أن معية الله تعالى باقية مع المؤمنين, وأن النصر حليف المخلصين, وإن انقطع الوحي.





--------------------------------------------------------

محمد الغزالي – التعصب والتسامح- ص116.[1>
المرجع السابق ص115.[2>
د.يوسف القرضاوي –غير المسلمين في المجتمع الإسلامي- ص9.[3>
د. يوسف القرضاوي -المرجع السابق- ص21.[4>
د. يوسف القرضاوي – المرجع السابق- ص23.[5>
د. يوسف القرضاوي –المرجع السابق- ص32.[6>
د. يوسف القرضاوي –المرجع السابق- ص67.[7>
د. يوسف القرضاوي – المرجع نفسه- ص68.[8>
سيد قطب – في ظلال القرآن- ج2 ص910.[9>
سيد قطب – في ظلال القرآن- ج2 ص907.[10>
جماعة الجهاد – دراسة بعنوان"محاكمة النظام السياسي المصري" نشرتها مجلة سرية- ص27.[11>
عبد الجواد ياسين – مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة- ص58.[12>
عبد الجواد ياسين –المرجع السابق- ص59.[13>
دستور الجبهة الإسلامية القومية بالسودان، ص7.[14>
البيان الختامي الصادر عن اجتماعات التأسيس في يوليو 1985 ص26.[15>
الشهيد سيد قطب - في ظلال القرآن- ط دار الشروق، ج 6، ص 3544-3545. [16>
صحيح البخاري ج 4 ص65.[17>
سنن أبي داود ج 3 ص 171.[18>
- المستقبل للإسلام (كتاب الأمة)- ص154. [19>
فهمي هويدي – مقال: الصحوة الإسلامية والمواطنة والمساواة . من كتاب: الصحوة الإسلامية رؤية نقدية من الداخل- ص 131.. 135 بتصرف[20>
وثائق الحركة من أجل الأمة –رسالة البصيرة الجزء الأول- ص 15.. 17 باختصار.[21>
وثائق الحركة من أجل الأمة –رسالة البصيرة الجزء الأول- ص112 بتصرف.[22>
ش. محمد مهدي شمس الدين –فقه العنف المسلح في الإسلام- نقلا عن جريدة التجديد ع 895. [23>
كتاب التربية الإسلامية السنة الثالثة الثانوية ص17.[24>
فؤاد المدني –مقال: إدارة وتدبير التغيير في الجمعيات والمؤسسات،عن كتاب : الجودة في الجمعيات والمؤسسات. منشورات ن.ف.إ- ص65.[25>
د.منير شفيق – في نظريات التغيير – ص 18.[26>
للاستزادة انظر فقرة "شهادة العدل".[27>
صحيح البخاري.[28>
د.منير شفيق – في نظريات التغيير – ص30.[29>
المصدر السابق ص 30.[30>
د.منير شفيق- مرجع سابق - ص19.[31>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
 
حركات النهوض الإسلامي واقع وآفاق الحلقة الأولى ذ. محمد قورة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البرنامج التربوي الرسالي :: الصفحة الرئيسية :: مكون دروس البرنامج :: تحديات أمام الدعوة و العمل الإسلامي بالمغرب-
انتقل الى: