كل مايتعلق بالبرنامج التربوي الرسالي لحركة التوحيد والإصلاح المغربية.
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 من أجل تعريف راشد للحركة الإسلامية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الله

avatar

ذكر عدد الرسائل : 17
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

مُساهمةموضوع: من أجل تعريف راشد للحركة الإسلامية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:57 pm

"الحوار" مصطلح يحتل مساحة كبرى في الفضاء المعرفي الإسلامي -إذ لا تضحية بدون قناعة ولا قناعة بدون حوار- لذلك ينبغي للإسلاميين الذين يحملون هم التغيير الحضاري الشامل، أن يدركوا دائما أن الأداة الأولى في الممارسة الراشدة هي الحوار سواء فيما يتعلق بعرض مشروع التغيير أو الدفاع عن مضامينه وصد الشبهات المثارة حوله. وكلما كان البناء النظري لمفهوم الحوار راشدا، أمكن للمشروع الإسلامي التقدم باتجاه الهدف في مساحة التدافع الحضاري. وهذه اللبنة يرجى لها أن تكون منطلقا في تأسيس ذلك البناء، عسى أن تتبعها لبنات أخرى. وعلى الله قصد السبيل

1- الحوار ومرجعية الخطاب الإسلامي

حينما نلقي نظرة فاحصة في ثنايا المرجعية الإسلامية المتمثلة في القرآن الكريم أساسا والسيرة النبوية، نجد أن جزءا وافرا منها يتألف من محاورات ومناظرات.

فالقرآن الكريم قدم لنا نماذج كثيرة من الحوار، منها ما دار بين الله جل جلاله والملائكة في موضوع خلق آدم ... وبينه سبحانه وإبليس اللعين، وبين الأنبياء - عليهم السلام وأقواهم كما عرض لأقوال الكافرين والمنافقين وأهل الكتاب والملأ والسفهاء وأولى الطول والنعمة، بل حتى حوار أهل الجنة مع أهل النار ... مما يعطي لقضية الحوار عمقا يمتد من بدء الخليقة نفسا واحدة إلى أن تميز فريقين « فريق في الجنة وفريق في السعير » ولكن الملاحظ أيضا. أنه بإزاء هذه الحرية في الكلام، لم يعط الوحي الإلهي حرية مطلقة تميع مبدأ الحوار وشرعيته .. وتجعل منه حوارا مغشوشا استهلاكيا يقول سبحانه في سورة النساء الآية (138) : «وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آية الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذا مثلهم، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا».

أما السيرة النبوية العطرة فنأخذ مثالا واحدا منها، حبا في الاختصار. يظهر إتقان الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم لفن الحوار الراشد.

- فحينما جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته، أرسلت قريش عتبة "بن أبي ربيعة" إليه ليفاوضه ويغريه، وفي القصة التي يرويها ابن هشام، نجد أن الرسول الكريم أحسن الاستماع، لعتبة، وقال له : قل يا أبا الوليد أسمع، فلم قال عتبة ما عنده، وسأله : أفرغت يا أبا الوليد ؟ قال نعم، ومعنى ذلك أنه أحسن الاستماع تماما، وأعطى محدثه الفرصة ليقول من جديد دون أن يعالجه، فلما تأكد من فراغه مما عنده، بدأ التلاوة، وهذا قمة الأدب، جعل الطرف الآخر تتفتح نفسه للسماع، فكانت تلك مقدمة محمودة، مهدت للموضوع وهو تلاوة آيات من الذكر الحكيم (سورة فصلت)، ثم قال لعتبة، قد سمعت يا أبا الوليد، فأنت وذاك ففي تصرفه صلى الله عليه وأله وسلم ذوق جم، وحسن استماع منه يقتضي حسن إصغاء من عتبة بن أبي ربيعة، وهذا كله يجعل عتبة مستعدا للتلقي، ولذلك لا غرابة أن قال قومه بعد إذ عاد إليهم :

- "سحرك يا أبا الوليد بلسانه".

وقد تسلح صلى الله عليه وآله في كل حواراته الكثيرة بمنهجية

- البلاغ المبين والصبر الجميل

2- في الخطوات المنهجية :
1) الإطار العام
لابد من مراعاة الظروف المحيطة الثلاثة

أ- ظروف المكان : أهو جلسة إيمانية .. حلقة نقاش ..

أمسية ثقافية .. حديقة عمومية أو شارع عمومي ..

ب- ظروف الزمان : هل الوقت كاف لإثارة الموضوع كله أو جزء منه، وهل الموعد المحدد يأتي بعد عمل مهني متعب، أو في عطلة، ثم هل طبيعة المرحلة تنسجم وموضوع الحوار أم لا ؟!

وقدوته قصة الإمام مالك رضي الله عنه في فتواه وهي مشهورة !..

- التسليم بالخطأ : في ابتلاء الله تعالى لكل من آدم وإبليس، يتضح مسلكان في المنهج والتقدير، فآدم عليه السلام، سلك سبيل الاعتراف بالخطأ وطلب العفو فنال الرضا، بينما إبليس لعنه الله، سلك طريق التبرير والمكابرة، فباء بسخط الله.

حقيقة أن التسليم بالخطأ يحتاج إلى شجاعة أدبية ومجاهدة للنفس، ولكن متى اعتاده الإنسان وجد له حلاوة وأكسبه احترام الآخر وثقته.

- التحدي والإفحام : « ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم » - أحيانا قد يضخم المحاور خصمه ويسكته بقوة الحجة، ولكنه لا يقنعه، فيرفض التسليم له بعاطفته حتى وإن كان عقله معه، ومادام كسب القلوب أهم من كسب المواقف. فلابد من التلطف والتدرج، فربما يكون الاقتناع مع مرور الزمن، باعتبار الوقت هنا جزءا من علاج الأفكار والنفوس. على أن هناك حالات تستثنى من ذلك، يكون فيها الجهد الحاد المركز على الخصم وإحراجه وتسفيه رأيه، مطلبا مقصودا في المناقشة والمحاورة، وذلك إذا أساء إلى الفكرة وأهانها أو تجاوز حدود الأدب أو مثل الباطل أمام الناس، فينبغي تعريته ليظهر الباطل مدحورا، كما في قصة إبراهيم عليه السلام مع النمرود - « فبهت الذي كفر » وقصة نوح مع قومه .. « قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب، أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان .. » الخ

- وأقصد في حوارك : الحديث ذو شجون -كما يقال- وكثيرا ما يتشعب موضوع المناقشة ويمضي في أمور فرعية بعيدة عن الأصل، فيضيع الوقت والجهد، وتبدد الطاقات وتكون المناقشة عميقة، لذلك على المحاور أن يحرص ما استطاع على التركيز ليصل في نتيجة واضحة ومنسجمة كتأصيل مبدأ أو توضيح مفهوم.

ج- الحصاد :

+للجاهلين .. سلاما : في بعض الأحيان يجد المناقش أن شقة الخلاف بينه وبين الطرف الآخر كبيرة جدا، وأن هناك اختلافا على أمور أساسية عدة لا يسمح الوقت بمناقشتها.

أو تكون المناقشة من الطرف تضييعا للوقت وتبديدا للجهد، عند ذلك يكون من الأفضل إقفال باب المناقشة بطريقة لبقة تنفي العجز والهزيمة عن صاحبه، كما ينصح بإقفال المناقشة، إذا لم يكن المحاور الآخر جادا باحثا عن الحق.

+« فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون : » « قد يخفق المحاور في إقناع صاحبه، وإن أقام الدليل وجاء بالحجة. وأصل ذلك أن النفس الإنسانية مزيج عجيب من عوامل شتى، منها عامل الهوى الذي يعمي البصيرة، ومنها عامل الكبر الذي يبطر الحق ويغمط الناس. يحكي لنا القرآن الكريم نموذجين صادقين : الأول عن الآيات المعبرة التي جاء بها موسى عليه السلام، قومه و«جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعدوانا » والثاني في قصة يوسف - عليه السلام - إذ رغم براءته من تهمة التحرش بامرأة العزيز، بشهادة أهلها واعترافهم بأنها مكيدة دبرتها له، سجنوه بضع سنين !

+« وبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه » - هذه الحالة الايجابية .. يجب التعامل معها بوعي وملازمة .. لأن ما وقر في القلب والعقل يحتاج إلى ممارسة ميدانية تصقله وتجذره ليتحول بذلك إلى مخزون إيماني لا ينضب، وبصيرة واعية تتحرك في خط الإسلام - ولاء براءة - من أجل التمكين لدين الله في الأرض وإلا تحول الحوار إلى جدل نظري فارغ : « ما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا وأوتوا الجدل ».

3) خاتمة تحصيلية :
الحوار الراشد : ينشد الوصول إلى أكمل الصواب « ما اجتمعت أمتي على ضلالة ».

الحوار الراشد : يزرع اليقين ويصلب المناعة الذاتية تحقيقا للأس النبوي : "وطنوا أنفسكم" لا يكونن الرجل إمعة ..".

الحوار الراشد : يجدر بخم الشورى « وأمرهم شورى بينهم ».

الحوار الراشد : عمل تعبدي يؤجر فيه المجتهد أجران إن أصاب وأجر إن أخطأ.

الحوار الراشد : مقدمة للتسابق على الخيرات "فأستبقوا الخيرات" والتنافس على الحسنات و"في ذلك فليتنافس المتنافسون.

الحوار الراشد : تجسيد لمبدأ التواصي بالحق والتواصي بالصبر.

الحوار الراشد : أسلوب حضاري يساهم في التجديد الإسلامي وتطوير آليات الوعي.

الحوار الراشد : يؤسس القناعة الراسخة التي تثمر الإيمان الواعي الذي هو أساس العمل الصالح.

ج : ظروف الإنسان : ما هو مستوى الطرف المحاور في العلم والفهم والإستيعاب، ما مدى إيمانه بمبدأ الحوار، ما هي بيئته الاجتماعية والنفسية والثقافية؟..

فلكل مقام مقال، وليس كل ما يعلم يقال، وقد تغني الإشارة عن العبارة والكيس من خاطب الناس على قدر عقولهم، وأيقن أنهم معادن متباينون في درجاتهم.

2) المنطق : صلاح النية (الإخلاص) وصلاح العمل (الصواب).

فليس المقصود إظهار براعة من خلال الحوار، ولا انتزاع الإعجاب والثناء رياءا واعتزازا بالنفس، فذلك كله رد على صاحبه، وحتى إذا سلمنا بصلاح النية، فهل هناك مصلحة راجحة وفائدة ترجى من الكلام ؟! أم أنه خلافا لذلك سيثير فتنة نائمة أو أحقادا دفينة ! إذن فلابد من حد أدنى من صلاح العمل، ولا معنى للخلط بين النية والإجتهاد - إنه من البديهي أن يكون المحاور الإسلامي صادقا مع الله ثم مع نفسه مقتنعا بما يقول مستقيما عليه، حتى يصدق قوله على عمله وينتفع به الآخرون، إذ يرونه ذا مقام القدوة الصالحة التي تدعو بسلوكها. كما تدعو بلسانها ..

3) الدليل المرشد :

أ- مقدمات أساسية :

لكي تثمر عملية الحوار، ينبغي الاستعداد لها مسبقا وهذا يقتضي :

+العلم : « ولا تقف ما ليس لك به علم » .. فعلى المحاور أن يحدد مادنا العلمية ويتقنها مرضاة لله .." إن الله يحب أحدكم، إذا عمل عملا أن يتقنه واحتراما لنفسه وحياء من الناس وإذا « لم تستحي فقل ما شئت »، كما يقتضي الأمر كذلك الأمانة العلمية بحيث يتم احترام الحقيقة والأمانة في عرضها، بلا لبس ولا غموض وإلا فهو المنقصة في الدين، لأنه أخر الكذب، ثم إنه يسقط موقع المتحاور في حالة اكتشاف تلاعبه بالنصوص وتحايله في الاستشهاد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبد الله

avatar

ذكر عدد الرسائل : 17
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من أجل تعريف راشد للحركة الإسلامية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 4:58 pm

وثم ثلاث حقائق لابد من أخذها بعين الاعتبار :

- رأي المحاور - أي محاور صواب يحتمل الخطأ، ورأي غير خطأ يحتمل الصواب.

- طالب الحق، كناشد ضالته لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد غيره.

+التوثيق : « قل هاتوا برهانا إن كنتم صادقين » يجمل بالمحاور الإسلامي أن يعزوا الأفكار إلى مصادرها وأن يولي الاقتباس والاستشهاد ما يستحقان من عناية.

وهل هذا المفهوم مجرد تصور هلامي يكتسبه الغموض والإبهام. كما يدعي خصومه وأعداؤه .. تتجاذبه نزعات واتجاهات ماضوية محافظة ومتطرفة، مثقلة بتورمات التاريخ وفتنه وحروبه السالفة. ترفع شعارات عامة ومجردة يغلب عليها الحلم والطوبى، وتفتقر إلى الطرح الواقعي التفصيلي، وتحتوي خطابها السياسي والثقافي وتسيجه لغة إنشائية خطابية، يغيب عنها الوعي الموضوعي والتاريخي والنسبي ؟ أم إن هذا المفهوم يمثل حالة نهوض جديدة، بدأت تدب روحها في كيان الأمة، من أجل إعادة اكتشاف وعيها بذاتها العقدية وبذاكرتها العربية الإسلامية الحضارية، إحياء لخطاب الهوية والاستقلال. وتسفيها لخطاب اللاهوية والتبعية، وتأكيدا لخطاب الأخوة والتضامن، ودحضا لخطاب الخلاص الفردي والانتهازية.

وبعثا لمفهوم الدولة الإسلامية، دولة الأمة والفضيلة والشورى والعدل والمثل العليا، ومواجهة لدولة الغلبة والقهر الحديثة، ووضع مشروعيتها موضع مساءلة صارمة ؟

وماذا يعني التعاطف الشعبي والسند الجماهيري الواسع الذي تلاقيه الحركة الإسلامية في المنطقة العربية الإسلامية وخارجها من مختلف الشرائح الاجتماعية والنخب الثقافية والسياسية ؟

هل هو مجرد تعاطي خشبي، لا يتجاوز الطابع الإنفعالي اللحظي، وينقصه الوعي والقناعة والمعرفة العلمية، ويتغذى -في المقابل- من طبيعة البنيات الاجتماعية الراكدة والمتخلفة المتمكنة من البيئة العربية الإسلامية، من جهة، ومن فشل مشاريع الحداثة، وتفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية -من جهة أخرى- ؟

أم هو وعي جديد بالذات. قائم على أساس مراجعة شاملة، وتصفية حساب مع مرحلة بكاملها، عاشتها الأمة في أسر نخب علمانية شمولية ومتطرفة، إحتكرت مجال تسويق الأفكار والمواقف، والقرارات. لم تجن منها سوى هذا الدمار العظيم الذي طال كل المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية تمثل في اجتثاب كل بنيات الممانعة والمقاومة الذاتية، وتخريب كل المرجعيات والثوابت الحضارية، وإحداث خصومة في الفكر، ورجة في الواقع، عبرتا عن نفسيهما بتطاحنات طافية ومذهبية وإثنية وحدودية ذات طابع تناحري حاد !.. لم تعرف لها المنطقة العربية الإسلامية مثيلا عبر تاريخها الإسلامي الطويل، الأمر الذي جعل زمننا العربي الإسلامي المعاصر يوسم بالزمن الرديء، ومرحلتنا التاريخية الدقيقة، تعرف بمرحلة العلو الاستكباري الأميركي- الصهيوني مقابل ترهل النظام العربي. وتخلل مؤسساته المدنية والسياسية، الشعبية والرسمية ؟

ثم ماذا يمثل العداء الغربي -الأمريكي- الصهيوني للحالة الإسلامية، وتنامي موجة هذا العداء، بشكل متطرف، خاصة بعد سقوط المعسكر الشرقي العدو التقليدي ونهوض الحالة الجهادية، على تخوم لبنان وفلسطين ؟

هل هذا مجرد عداء طبيعي لظاهرة مرضية - شاذة وعابرة، تمثل خطرا على روح العصر، وعلى قيم العلم والحداثة والعقلانية والسلام العالمي ؟

أم هو عداء شوفيني، ينم عن روح استعمارية وصائية، تقصي كل المشاريع التحررية التي تضع مفردات الهيمنة الغربية الاستكبارية موضع مساءلة نقدية، وتعيد النظر في ترسانة من المفاهيم الجاهزة التي يضعها الغرب لإعاقة مسيرتنا. وتثبيت شروط العجز والهزيمة، للحيلولة دون امتلاك القدرة والإرادة على تطوير وإبداع أساليب وأشكال المقاومة ؟ وهل تمثل الحركة الإسلامية -أخيرا- إطارا لا ينفتح إلا على ذاته، ليعيد إنتاجها في دورات ركيكة، فتكون السمة البارزة في علاقاتها مع محيطها السياسي والثقافي والاجتماعي هي سمتا، اللاعقلانية والإقصاء، فتعيش في عزلة اختيارية، تجرد الخطاب الإسلامي من أسلحة الوعي والموضوعية والمثاقفة والحوار. وتمنحه قداسة لاهوتية، تحول دون امتلاكه لعقلية نقدية تصون الفكر من الأخطاء، والممارسة من المسلكيات المعتلة ؟

أم أنها برغم انشداد خطابها ومسلكياتها إلى أصول ثابتة. وهذا يمثل عامل قوة. يحسب لصالحها يبقى مجرد مقاربات نسبية، منفتحة على « الكلمة السوداء » من أجل تقليص مساحات الخلاف، والكثير من فرص التعاون والتنسيق المشترك مع كل فرقاء الساحة العربية- الإسلامية الذين لم تتلوث أيديهم، ضمن مواثيق أخلاقية وثقافية وسياسية، من أجل أهداف نبيلة، يعز فيها الإنسان ويذل فيها الهوان ؟

إن انبعاث الحركة الإسلامية، وخاصة مكوناتها المتنورة والراشدة، ليس انبعاثا طارئا، حتى يثير كل هذه الأسئلة والإشكالات، فهي ليست ضيفا ثقيلا على محيطها العربي- الإسلامي، وحتى على عصرها وزمنها المعاصر، حتى تقفل وتوصد في وجهها الأبواب، وتوضع الخطط والمؤامرات لتجفيف منابيعها، وتفتح الزنازن والمعتقلات في وجه مناضليها !. إن انبعاثها يمثل إنتصار لروح الأصالة والتاريخ والهوية والاستقلال والمقاومة والنهضة والتقدم .. ويمثل استمرارية لخط العلماء المجاهدين والمجددين، الذين وقفوا في وجه البدع والخرافات، ووقفوا في وجه أهل الشوكة من الظلمة المستبدين، وبشروا بمشاريع الاجتهاد وتنقية الأصول، وتوسيع مجالات التدين، ودرأ التعارض بين العقل والنقل، وبين الأصالة والمعاصرة، وألزموا أولي الأمر بالعدل والشورى، ومثلوا خطاب الممانعة، وصانوه من آفة المصانعة والوقوعية والهرولة، وأدوا في ذلك ثمنا غاليا من دمهم وحياتهم.

2) الحركة الإسلامية إطار لتجديد الرؤية الحضارية والفكرية للأمة :

إذا كان الواقع العربي- الإسلامي، بطبعه، مشبع بكل سمات التخلف حتى الموت ..

التخلف الإشكالي المتعدد الأبعاد والمظاهر، الذي يتابى عن المساءلة النقدية، ويشاكس كل المشاريع الطموحية، ويجعل كل مشاكلنا مؤجلة بدون حل إلى أجل غير مسمى، تستأسد فيه الأزمات وتتأسطر ! فإن المعالجات لن تكون نزهة، سهلة المنال، وهذه بديهية يعرفها الجميع، وخاصة أن لهذا التخلف أكثر من مصدر يتغذى منه ويتقوى .. فهناك أولا التخلف الذي ترجع مصادره، وتعود أصوله إلى الماضي العربي، عندما إختار الفكر الإسلامي بعد ابن خلدون وابن رشد والشاطبي، موقع الجمود والوقوف عند نقطة إعادة إنتاج الماضي، وإغلاق باب الاجتهاد، فأصبحت وظيفته تختزل في الشروح على الحواشي، والتعصب للفروع والمذاهب، ووضعها في قوالب نصية، الخروج عنها يمثل مغامرة خطيرة لا تبقي ولا تذر !

وهناك التخلف، ثانيا، الذي ترجع أصوله إلى الحملة الاستعمارية الشاملة، التي قام بها الغرب، والتي أحدثت رجة في محيطنا الحضاري، نتج عنها إنشطار في المرجعية الحضارية الجامعة، لننفتح على محيط تعدد فيه الأصول، ويتنافر فيه الفكر، وتتخاصم فيه المذاهب، وتتمكن فيه نخب متغربة، صنعت على أعين الغرب، وبرغبة منه، لتغذية واقع الانشطار وحالة الخصومة، تثبيتا للتخلف والتبعية، اللذان يجعلان ظهرنا عاريا، وحمانا مستباحة. إن الفكر الذي يفرض التجديد يتعفن بالضرورة، والفكر الذي يغيب الوعي الذاتي ويتقمص نماذجه الآخرين، في إطار حالة من الإستحقاق والتغريب، لا ينتج سوى الكوارث، لذلك فأمام الحركة الإسلامية المستنيرة والراشدة، مهمات صعبة لتجاوز عتبة الماضوية والانفتاح على العصر، وتجاوز عتبة الوعي الزائف الذي بشرت به النزعات الحداثوية، وربط قاطرة التطور والحداثة بوعي الذات وتجديدها، والانطلاق من الخصوصية العربية الإسلامية بدون انغلاق أو إنكماش على رهانات الهوية والتحصين الثقافي في وجه غول التطبيع الفضيع، وآليات الاختراق المميتة، وسلاح العولمة المخذر، لحماية قيم التضامن والتعاون من آفة التشرذم والاحتراب، وإعادة التماسك للوعي العربي الإسلامي : ذلك أن قوة الحركة الإسلامية، ليس قدرتها على النضال والكفاح، فحسب، ولكن قوة مشروعها الفكري والحضاري، وقدرته على المنافسة والتدافع، وانفتاحه على العلم والمعرفة، وفتح باب الاجتهاد والتجديد والإبداع لتوسيع أنماط التدين، وعدم حصرها في قوالب النماذج الماضوية.

3) الحركة الإسلامية إطار لممارسة المعارضة السياسية :

إحياء لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر « الفريضة الغائبة » يلزم الحركة الإسلامية أن تكون شاهدة على الأمة، مستوعبة حاجاتها، ومدركة أحاسيسها، وأمنية على تطلعاتها، ومناضلة من أجل تحقيق أهدافها، لتخلق تراكما في الانجازات، يواجه ترسانة النكبات والهزائم التي تناسلت بعضها من بعض، من خلال المشاريع الرديئة التي تشرف عليها نخب سياسية قائمة أساسا ضد مصلحة الأمة، ومرتبطة بحبل الأعداء السري، يلزمها -الحركة الإسلامية- أن تمتلك إستراتيجية للتغيير الشامل، تنقلها من حركة طفولية، تتجاذبها التيارات المختلفة توظيفا ووقوعية، إلى حركة راشدة، تعي دورها السياسي جيدا، وتحيط بمرحلتها السياسية معرفة وعلما، حتى تستطيع أن تعمق الوحدة المنهجية بين الفكر والممارسة، وبين الأهداف والإمكانات، وبين الميادين والأساليب، وتروم كذلك في اختيارها نهج الواقعية المبدئية التي لا تخل بالإستراتيجية أساسا، ولا تفرط في التكتيك، فلكل مرحلة سقفها السياسي، واستثمارها هذا السقف بجون تنازلات جوهرية، أو مزايدات إرادوية هولب العملية التغييرية.

فالتغيير ليس عصا سحرية، ولكنه تراكم في المواقف والانجازات، وإمكانية تصرف عبر الزمن حسب خريطة التدافع وموازين القوى، وهو بهذا التوصيف علم وفن، وليس أحلاما ورغبات تحت الطلب، فالذين ينطلقون من الأحلام، لن يجنوا سوى الكوابيس والإخفاقات. بعد هذا التقديم المنهجي، نقول، إن المعارضة السياسية، العنوان السياسي للحركة الإسلامية المرحلي ليس إختيارا ذاتيا تتحكم فيه الإرادات، ولكنه معطى موضوعي وطبيعي، ففي بيئة سياسية تخضع لنخب سياسية متطرفة، تفتقد لأسس المشروعية والشرعية، بجميع المقاييس، ولا تمتلك ولو أدنى تصور للتنمية والتقدم، ولا تمارس تخطيطا إلا إذا كان المجال مجال قمع أو مصادرة أو تسييج حرية المواطنين، وفتح المنطقة على أشكال النهب والاستغلال الخارجي المتنوع، متقمصة -حسب التعليمات الدولية- دور الدركي، معرضة أمن بلدانها للخطر، من خلال نزيف القروض التي لا تنتهي، ولا يعرف ماذا يعمل بها وكيف وأين يتم إنفاقها ؟!

ومعرضة كذلك أمنها الاجتماعي لمزيد من التفاوتات الطبقية الفاحشة، ولمزيد من تفاقم أحزمة البؤس، من خلال سياسيات الاحتكارية والاستفراد بالثروة العامة وسوء توزيعها، ..الخ، في وضع كهذا، لا يسع الحركة الإسلامية سوى أن تصدع في وجه هذه البشاعة السياسية، بلاءات لا تنتهي، وتكون في موقع المعارضة السياسية الجذرية، لأنها لا تمتلك خيارا، آخر، سوى خيار الانحراف والوقوعية، والأمور بعد ذلك تقدر بقدرها.

والمعارضة السياسية، يجب أن تنصب -وحتى لا تبدد الطاقات- على جذر المشكلة، وتركز جهودها على المعركة الدستورية، لإنهاء حقبة الدساتير المتعاقد عليها من طرف كل مكونات الأمة، هذه الدساتير ...
عبد الرحيم صابر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
من أجل تعريف راشد للحركة الإسلامية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البرنامج التربوي الرسالي :: الصفحة الرئيسية :: مكون دروس البرنامج :: الفقه الحركي-
انتقل الى: