كل مايتعلق بالبرنامج التربوي الرسالي لحركة التوحيد والإصلاح المغربية.
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حول فقه الواقع تعريفه مشروعيته ضوابطه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: حول فقه الواقع تعريفه مشروعيته ضوابطه   الثلاثاء أبريل 01, 2008 5:36 pm

عناصر الموضوع
1- ما هو فقه الواقع ؟
2- مشروعية فقه الواقع
· مدخل تاريخي عام
· مشروعية هذا الفقه من القرآن
· مشروعية هذا الفقه من السنة والسيرة النبويتين
3- لماذا فقه الواقع
4- ضوابط أساسية لفقه الواقع
1- ما هو فقه الواقع ؟
عبارة "فقه الواقع"، تتكون من كلمتين "فقه" و"واقع"، ولغويا ترتبط كلمة فقه بالفهم عموما1، " وإذا كان الفهم هو معرفة الشيء وتصوره من اللفظ والعلم به أو هو هيئة للنفس تتحقق بها معاني ما يُحسّ؛ فإن الفقه هو الفهم بمعنى خاص يدخل فيه العقل والقلب والجوارح"2، قال تعالى: (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) الكهف57، فالفقه إذن هو عملية مركبة في الفهم تشترك فيها الجوارح كما القلب كما العقل، أما "الواقع" فهو إشارة إلى مجمل ما يجري من الأحداث المعاصرة، ومن العوامل والقوى المؤثرة فيها، وإذا أردنا أن نجمع بين الكلمتين بشكل تركيبي في تعريف جامع مانع، ففقه الواقع، "هو معرفة ودراسة الأحداث والتحولات المعاصرة فيه، بشكل موضوعي (كما هي وليس كما نتصورها)، باستحضار سياقاتها التاريخية، بغية فهم العوامل والقوى المؤثرة فيه، واستخلاص القوانين القدرية المحددة لحركته واتجاهه، بهدف ترشيد تنزيل الأحكام، وتحديد الوسائل الموصلة إلى إحداث التحولات المنشودة، التي تنفع تنزيل و نشر ونصر الدين وتقوية وحماية الأمة وتبليغ رسالة الإسلام إلى البشرية جمعاء"
2- مشروعية فقه الواقع
* مدخل تاريخي عام
إن التذكير بالسياق التاريخي جزء أساسي من محاولة الفهم التي نروم، ولئن كان التذكير هو في جانبه المنهجي، المتركز على المنعطفات الكبرى التي عرفها مسار أمتنا ويمكن إيجازها كالتالي:
- بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام
* تحكيم لشريعة الإسلام في شتى مناحي الحياة .(في الأموال والأعراض والأنفس)،
* وحدة الأمة السياسية(الخلافة ثم الدولة السلطانية ) والثقافية والتشريعية والتربوية(المرجعية الإسلامية العليا).
* استمرار دور العلماء الريادي في التوجيه والدعوة والإفتاء والاجتهاد والتعليم…
* تفاحش الظلم والاستبداد.
* التخلي نهائيا على ثابت الشورى وتحصيل حاصله البيعة الطوعية.
* نسبة كبيرة من مستوى تدين المجتمع عقيدة ومنهجا وسلوكا بفضل جهود العلماء.
- بحلول الدولة العثمانية وملابسات التحولات الداخلية التي عرفتها (صعود الكمالية)،سنكون أمام منعطف أكثر ضخامة وأوسع جسامة من منعطف صعود الأمويين ومن تبعهم ،وهو الانقلاب الذي حصل على مستوى المرجعية العليا للمجتمع والدولة بحيث سيحدث أول تحول نوعي لم يسجل بالبت بهذا الحجم بالتخلي عن تحكيم الشريعة وسيترتب عنه بعد فترة الاستعمار ضرب وحدة الأمة بمخطط سايكس بيكو، وليتوج بزرع الكيان الصهيوني في قلب جسم الأمة الإسلامية، لنكون أمام نازلة كبرى "جديدة وفريدة" في معالمها الأساسية والتي نجملها في التالي:
1-إلغاء الدين من الحياة العامة كموجه وكمشرع وكمرجعية عليا للأمة.
2-حلول وسريان المشاريع العلمانية في شتى مناحي الحياة العامة التشريعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية...
3- حلول الدولة القطرية التجزيئية بدل الدولة الإسلامية الموحدة للأقطار.
4-سريان الاستبداد وانفراد قلة بالقرارات المصيرية للشعوب العربية والإسلامية دون إشراك هذه الأخيرة في بلورة الاختيارات الكبرى لها.
5-تراجع خطير لمستوى التدين عند المجتمع حتى انتفى معه منطق الواجب سواء في العبادات (الصلاة،الزكاة…) أو في المعاملات(الربا،الفساد الأخلاقي…).
6-تبعية ذيلية في الاقتصاد كما في السياسة كما في القانون كما في الثقافة للغرب المهيمن.
7-احتلال فلسطين وزرع كيان صهيوني دخيل في قلب جسم الأمة الإسلامية.
8-تشكل نخبة من المفكرين والمثقفين والسياسيين من النسيج الاجتماعي للأمة المنسلخين عن هوية الأمة دراية تواصلية مع تراثها العظيم ومرجعيتها الإسلامية ،والمتشربين للفكرة الغربية المتمثلة في العلمانية كضرورة تاريخية لتحقيق النهضة.
9-ظهور دعاة وحركات من ذات النسيج الاجتماعي للأمة متشبثة بالهوية الإسلامية الأصيلة تصارع هذا المد الجارف من المشاريع التغريبية السارية المفعول في الحياة العامة داعية إلى استعادة النموذج الإسلامي الراشدي والى ربط الأوصال الحضارية التي تقطعت قصرا بتاريخ وذاكرة وقيم الأمة الإسلامية.
ولأن هذه النازلة كبيرة وفريدة بما أفرزته من نتائج وتحولات نوعية في مسار الأمة الإسلامية،ولأن حجم ما وقع قد تم تمثله عمليا وسرى مشاريعا ومخططات مجسدة واقعا،ولأن ذلك لم يحصل بشكل اختياري طوعي من طرف شعوب الأمة الإسلامية نتيجة الاستعمار من جهة ونتيجة استفراد- قلة متغربة أو لها مصلحة خاصة في بقائها في سدة سريان القرار- بالحسم في هذه الاختيارات الكبرى والمصيرية التي أحدثت انقلابا كليا في المرجعية كما في السلوك كما في المنهج كما في التمزق والتجزيء، فلقد كان حقا أن نسم ما حدث بالنازلة الاضطرارية التي حلت بالأمة الإسلامية جمعاء ، إذ لم يعد لضرورة حفظ الدين كأعلى مرتبة من الضرورات التي جاءت لتحميها وتحفظها إلا القليل من الوجود (شعائر تعبدية ،ووجود تشريعي ضئيل في مجال مدونة الأحوال الشخصية التي لم تسلم هي الأخرى من إرادة الإلغاء…).
على أرضية هذا التذكير الموجز يتبين لنا أن الجهل بهذه التحولات قد لا يفطن لها المرء، إنها تحولات نوعية وليست عرضية، وعلى ضوئها يمكن أن نستشف أهمية الوعي بها وفقهها، فالأمر ليس أمرا عرضيا متعلقا بتحول في إحدى عناصر بنية الأمة القائمة بكل عناصرها الوحدوية والدينية، بل امتد ليطال البنية ذاتها، وإذن هنا يصبح فقه هذا الواقع الحالي من الضرورات للإمساك بتلابيبه، والإجابة على نوازله بغية تجاوز هذه الحالة الاستثنائية التي تمر بها الأمة.1
مشروعية هذا الفقه من القرآن
من فقه الواقع استبانة سبيل المجرمين وخططهم وحيلهم، يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) سورة الأنعام آية: 56، قال ابن كثير "أي ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل"2 ولذلك جاءت الكثير من الآيات لتفضح خطط وحيل المجرمين والمشركين والمنافقين، وتذكر رسول الله عليه الصلاة والسلام بذلك، ولقد أتت سورة التوبة في مجمل آياتها فاضحة للمنافقين، وألاعيبهم وخططهم وحيلهم، يقول -سبحانه وتعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) [سورة التوبة، آية: 49> (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)[سورة التوبة آية: 56> (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ)[سورة التوبة آية: 62> (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ)[سورة التوبة آية:67 >.
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)[سورة التوبة آية:107 >
ونجد في ختام هذه السورة: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) [ سورة التوبة آية: 128 >.
وعن المشكين يقول سبحانه: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[ سورة التوبة آية: 19 >. وقال قبلها: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) [سورة التوبة آية: 17>.
ونجد في بيان علاقة المنافقين بأهل الكتاب: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) [سورة الحشر آية: 11>. والآيات في هذا الباب كثيرة.

مشروعية هذا الفقه من السنة والسيرة النبويتين
حفلت سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام بكثير من المحطات التي تشهد على استحضاره عليه الصلاة والسلام فقها حكيما لواقعه، بهدي الوحي الكريم، بل قد لا نبالغ إذا قلنا أن كل سيرته عليه الصلاة والسلام هي فقه للواقع، واستيعاب له من أجل تجاوز المرفوض فيه، وهكذا نرى كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام، صبر وصابر واحتسب إبان بداية دعوته في مكة، ولم يجابه إيذاء قريش والمشركين بنفس سلوكهم، لأن المرحلة كانت تقتضي منه بهدي الوحي الكريم، فقط الصدع بالحق دون مواجهة صدامية، وهو وعصبته المؤمنة آنذاك مستضعفون في الأرض، وبالتالي من الفقه بالواقع الحفاظ على هذه النواة المؤمنة المؤسسة، وعلى مستقبل الدعوة في ريعانها وبداياتها، ((لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب؛ ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتمّنّ الله هذا الأمر؛ حتى يسير الراكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ما يخاف إلا الله عز وجل، والذئب على غنمه) )).وفي رواية : ((ولكنكم تستعجلون))1.
وكيف اهتدى بهدي من الوحي الكريم إلى أن يأمر صحابته الكرام آنذاك أن يهاجروا إلى الحبشة، " إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده، فألحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه "2، وعندما بعث رسول الله عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام، قال له عليه الصلاة والسلام: " إنك تأتي قوما أهل كتاب "3 ، " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.... "3 ، فتأكيده عليه الصلاة والسلام لمعاذ، أنهم قوم أهل كتاب، هو من باب فقهه لواقع اليمن، واستحضار هذا الفقه في مهمة الدعوة والتبليغ، ومثال قصة فارس والروم يبين عمق فقه الصحابة بقيادة نبيهم عليه الصلاة والسلام لواقعهم المحيط بهم، وأنهم ليسوا قوما ، لا يفهمون ما يجري حولهم، وإليكم القصة كما رواها ابن عباس وذكرها الألباني في صحيح السيرة، " كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل الكتاب، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر، فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالSad(أما إنهم سيظهرون)).فذكر ذلك أبو بكر للمشركين، فقالوا: اجعل بيننا وبينك إن ظهروا لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا. [فجعل أجلاً خمس سنين، فلم يظهروا>.فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالSad(ألا جعلته – أراه قال: - دون العشر؟)).فظهرت الروم بعد ذلك".4 وهذه بعض من الأمثلة في السيرة النبوية العطرة، إذا أضفنا إليها، وضعه لصحيفة المدينة وكيف تعامل عليه الصلاة والسلام مع اليهود والمنافقين في المدينة، نستطيع أن نقول أن الفقه الحكيم للواقع بهدف الاستيعاب وتجاوز المرفوض فيه، كان أمرا لازما في سلوكياته عليه الصلاة والسلام بهدي من الوحي الكريم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
المشرف
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 159
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: حول فقه الواقع تعريفه مشروعيته ضوابطه   الثلاثاء أبريل 01, 2008 5:37 pm

3- لماذا فقه الواقع
فقه الواقع ضروري في تنزيل أحكام الدين، وفي تبليغ رسالة الإسلام، وفي التعامل مع الناس، وفي اختيار الخطاب الدعوي والمصطلحات اللازمة، ويمكن إيراد أهم دوافع ضرورة فقه الواقع في التالي:
§ لأنه على أساسه تتحقق مناطات الأحكام
فالأحكام تجري على مناطاتها، ومعناه "أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله، وذلك أن الشارع إذا قال: (وأشهدوا ذوى عدل منكم) الطلاق:2 ، وثبت عندنا معنى العدالة شرعا افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة، وليس الناس في وصف العدالة على حد سواء، بل ذلك يختلف اختلافا متباينا،....، كما إذا أوصى بماله لفقراء، فلاشك إن من الناس من لا شيء له، فيتحقق اسم الفقر، فهو من أهل الوصية، ومنهم من لا حاجة به ولا فقر وإن لم يملك نصابا، وبينهما وسائط، كالرجل يكون له الشيء ولا سعة له، فينظر فيه: هل الغالب عليه حكم الفقر أو حكم الغنى، وكذلك في فرض نفقات الزوجات و القرابات، إذ هو مفتقر إلى النظر في حال المنفق عليه والمنفق..."1 ، ويتبين من خلال هذا الكلام النفيس أن على أساس الواقع الذي هو موضع تنزيل الحكم ، يتحقق مناط الحكم بتعيين محله،
§ على أساسه نستلهم قاعدة التدرج والمرحلية
فالواقع لا يرتفع وهذه قاعدة عامة، في التعامل معه، فانطلاقا من العلم بالواقع وفقه تحولاته وأحداثه و أحواله الراهنة، تتحدد الأولويات، وتقام الموازنات، في عملية تنزيل الشرع وأحكامه، وسيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام تبين لنا قيمة هذه القاعدة العظيمة، بل حتى تنزل القرآن على رسول الله عليه الصلاة والسلام كان منجما، وأحكامه كانت تتنزل تترى، إن عملية تنزيل الدين دعوة وتبليغا وتمكينا لأحكامه، تحتاج إلى بصيرة نافذة في الواقع، تعتمد على قاعدة ذهبية هي التدرج والمرحلية، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها: " لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين، بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة"2، إن مرحلة التدافع شيء ومرحلة التمكين شيء آخر، و فقه زمن التدافع ليس هو فقه زمن التمكين، وإنما ينشأ الالتباس من مساواة الواقع بالواجب، ف"الواجب شيء، والواقع شيء، والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب وينفذ الواجب بحسب استطاعته لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم"3
* على أساسه يتم انتقاء نوعية الخطاب الدعوي التبليغي للناس (مراعاة للأعراف والعادات والمصطلحات)
إن واقع الناس يتباين من مكان لمكان، ومن منطقة لمنطقة، بل من حي لحي، وفقه واقع الناس ضروري للدعاة ولخطابهم الدعوي، حتى يكون مناسبا وتلقاه القلوب والآذان بكل تمعن، لذلك فالخطاب بما هو حقل دلالي للمصطلحات والمفاهيم، لا بد أن يراعي الحقل الدلالي المتداول بين الناس، ولسان القوم، كما أنه لا بد أن يراعي العادات والأعراف والتقاليد، وننقل هنا كلاما نفيسا في هذا الباب للإمام القرافي الفقيه المالكي رحمه الله، يعد فيه بعض الشروط التي ينبغي أن يتميز بها المفتي، -ولعل الكلام قد نعممه لكل داعية مسلم مكلف- يقول الإمام القرافي رحمه الله:"ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفت لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي وموضع الفتيا: أن لا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده وهل حدث لهم عرف في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا؟ وإن كان اللفظ عرفيا فهل عرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا؟ وهذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء أن حكمهما ليس سواء، إنما اختلف العلماء في تقديم العرف على اللغة أم لا؟ والصحيح تقديمه لأنه ناسخ والناسخ مقدم على المنسوخ إجماعا، فكذلك هاهنا"1، ويقول ابن تيمية رحمه الله كذلك:" مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغته ليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة...وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه"2 ، هكذا يتبين لنا أن الخطاب الدعوي والوعظي، الذي هو من صميم رسالة المسلم والداعية، يحتاج إلى فقه لواقعه حتى ينزله بالشكل الذي يجعله ينجح في مهمته التبليغية الجليلة.
§ انطلاقا منه تتحدد خارطة الخصوم والحلفاء والمحايدين بناء على الدين
فكما أنه كان لكل زمان أعداء و خصوم للأنبياء، باعتبارهم عليهم السلام كانوا حاملي رسالة دعوة إلى الله إلى أقوامهم وإلى الناس ، فإن لكل زمان أعداء وخصوم للدعوة وللدين، وهذه من سنن الله التي لن تجد لها تبديلا، يقول تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين، وكفى بربك هاديا ونصيرا) الفرقان آية31.
من خلال ذلك قد نفهم لماذا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه بالهجرة إلى الحبشة رغم أن أهلها يدينون بالنصرانية، ونفهم لماذا أقام بعض المعاهدات مع بعض القبائل، ولماذا عمل بقانون الجوار في المرحلة المكية، ففقه الواقع يسمح لنا من تصنيف درجة الخصومة والعداء، ودرجة الحياد أو التحالف أو التعاون مع المخالفين في المرجعيات أو الاجتهادات، إذ ليس كل مخالف في المرجعية أو في الاجتهاد هو خصم محارب، كما أن فقه الواقع يسمح لنا بأن تستبين كيد الأعداء والمجرمين وخططهم وحيلهم وقد بينا ذلك سلفا.
4- ضوابط أساسية لفقه الواقع
ثمة ضوابط أساسية، يلزم في تقديرنا أن ترافق عملية فقه الواقع والإحاطة به كي لا تنحرف هذه العملية عن أهدافها الشرعية، كما حددناها سلفا في التعريف وهو:" ترشيد تنزيل الأحكام، وتحديد الوسائل الموصلة إلى إحداث التحولات المنشودة، التي تنفع تنزيل و نشر ونصر الدين وتقوية وحماية الأمة وتبليغ رسالة الإسلام إلى البشرية جمعاء" ويمكن إجمالها في التالي:
§ الالتزام بالوسطية في قراءتنا للواقع
ونقصد بذلك أن ترافق قراءتنا للواقع، عدم التهويل أو التهوين به، بمعنى أن تتحلى القراءة للواقع بالوسطية، كي لا نقع في مطب التيئيس المنهي عنه، وأن" ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن"، ذلك لأن المسلم تصحبه عقيدة الإيمان بالغيب، ولا يخضع تحليله للأحداث كليا لما هو مادي صرف، فقد تكون الأمة تمر بلحظة استضعاف وهوان، أو لحظة ظلم وطغيان، أو لحظة انتشار للفجور، وسلاحنا في هذه القراءة هو الإيمان بأن التاريخ جولات، (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس) آل عمران آية 140، يقول ابن كثير في معرض تفسيره لهذه الآية :" أي نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة"1
§ تحري صحة الأخبار
ومنه التثبت في مصدر الخبر وفي مضمون الخبر ، ذلك لأنه إذا كان المصدر معروفا بعدم مصداقيته (فسقه وعدم عدله بتعبير القرآن)، وجب الاحتراز منه والتثبت من خبره، وعدم الانجراف وراء الشائعات، التي قد تبنى عليها تحليلات مجانبة للصواب، و أحكام خاطئة قد تصيب قوما بجهالة، ذلك أنه " من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها"2، فصحة التحليل وتقريب النتائج الصحيحة منه، ينبني على صحة المعلومة أولا،
§ استشارة أهل التخصص في بعض المجالات
ومنه عدم التطاول على المجالات التي ليس للمرء علم كثير بها، فذاك أصل من أصول التعلم، وهو مسؤولية وأمانة لذلك قال الله تعالىولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) الإسراء آية 36، قال قتادة:" لا تقل رأيت وأنت لم تر وسمعت و أنت لم تسمع و علمت و أنت لم تعلم"1، ومنه الاستفادة من التقارير الميدانية واستطلاعات الرأي ومراكز الدراسات والخبراء في أي مجال نود معرفته والإحاطة به.
§ عدم إغفال فقه الشرع ابتداء ونهاية
وذاك من ضمانات عدم التيهان وراء التحليلات، والإمساك الدائم بتلابيب الواقع عن طريق إخضاع هذه التحليلات وهذه القراءة للأصول الشرعية، ومنها التمسك بالمبادئ وعدم المساومة عليها، وتقدير المصلحة بميزان الشرع، ولذلك كان الواقع مهما في تحديد الوسائل لا في تغيير حقيقة الأحكام، فكل أمر حكمه الشرعي باطل فهو باطل، وكل أمر حكمه الشرعي حق فهو حق، أما كيف نجابه الباطل فهذا موضوع الوسائل وهذه ذات صلة بالمصلحة الشرعية، فحيثما كانت المصلحة الشرعية كان اختيار الأسلوب والوسيلة، إن إغفال فقه الشرع على حساب فقه الواقع، قد يجعل صاحبه يقيم عداوة مع الشرع، كما أن إغفال فقه الواقع كليا على حساب فقه الشرع قد يجعل صاحبه يلقي الخصومة مع الواقع، والتوليفة المثلى هي فهم الواقع وفهم الواجب فيه، يقول ابن القيم بهذا الصدد :" فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله"2، ففقه الشرع منه ننطلق وإليه المنتهى.
§ المعايشة اليومية للواقع
إذ معايشة الواقع جزء من التفقه فيه، ولهذا كان الحث على المخالطة الإيجابية للناس والمجتمع، جزء من عملية التفقه، لأنها مكملة للأجزاء الأخرى المتمثلة في الدراسة العلمية والاستعانة بخبرة أهل الاختصاص، وقد فصلنا في ذلك سلفا في حديثنا عن أهمية فقه الواقع في صياغة خطاب دعوي مناسب، وهذا لن يتسنى إلا بالمعايشة الواقعية للناس والمجتمع ومعرفة أعرافه وعاداته ومراعاتها في الخطاب والدعوة.
على سبيل الختم
وأخيرا ، كانت هذه أهم الضوابط وقد تكون أخرى، لحسن فقه الواقع فقها سليما، وفي خلاصة يمكن أن نقول، إن رسالة الإسلام جاءت لتصحيح أوضاع مختلة، بميزان الإسلام، والمسلم مطالب أن يسهم في هذا التصحيح، وأن يضع لبنة ضمن لبنات استئناف الحياة الإسلامية القويمة التي هي معطلة في كثير من المجالات، و لأن عملية استئناف الإسلام لا تتم إلا بالإسلام، كان الشرع ضابطا أساسيا في الانطلاق منه للاهتداء إلى طرق فقه الواقع المراد تصحيح أوضاعه المختلة، وفي الانتهاء إليه لفهم الواجب في هذا الواقع.
والله الموفق وهو يهدي السبيل.
1 انظر لسان العرب ج 13 ص522. ومختار الصحاح ج1 ص 213.
2 انظر مقال للشيخ سلمان العودة حول " أزمة الفهم" www.islamtoday.net
1 للمزيد من التفصيل يرجى الرجوع لمقال "في الحاجة إلى فقه استئناف حياة إسلامية قويمة" للأستاذ أحمد بوعشرين www.islamtoday.netwww.siraje.net .
2 تفسير ابن كثير ج2 ص 137.
1 أخرجه البخاري و احمد ومسلم وهو في صحيح السيرة النبوية للألباني رحمهم الله جميعا.
2 وهو حديث قد صححه الألباني في صحيح السيرة النبوية.
3 - متفق عليه- البخاري8/267، ومسلم(2583).
4 انظر صحيح السيرة النبوية للألباني
1 الموافقات للشاطبي كتاب الاجتهاد المجلد الخامس ص 12،13،14.
2 صحيح مسلم-كتاب الحج- الحديث رقم 2370.
3 ابن القيم الجوزية-أعلام الموقعين- ج4 ص169.
1 الإمام القرافي- الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام-ص232-دار البشائر الإسلامية الطبعة الثانية-1416ه-1995م.
2 ابن تيمية – موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول-ج1 ص54.
1 تفسير ابن كثير ج1 ص 409.
2 تفسير القرطبي ج 16 ص 312.
1 نفس المرجع ج10 ص257
2 ابن القيم الجوزية -أعلام الموقعين- ج1-ص 69 – دار الكتب العلمية-ط2 –1414ه-/1993م.
د.أحمد بوعشرين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rissali.montadamoslim.com
 
حول فقه الواقع تعريفه مشروعيته ضوابطه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البرنامج التربوي الرسالي :: الصفحة الرئيسية :: مواضيع متميزة ( للنقاش والحوار )-
انتقل الى: