كل مايتعلق بالبرنامج التربوي الرسالي لحركة التوحيد والإصلاح المغربية.
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أســـس الرسالية من خلال وصايا لقمان الحكيم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أسماء

avatar

انثى عدد الرسائل : 22
العمر : 32
تاريخ التسجيل : 23/03/2008

مُساهمةموضوع: أســـس الرسالية من خلال وصايا لقمان الحكيم   الإثنين أبريل 07, 2008 1:31 pm

أســـس الرسالية من خلال وصايا لقمان الحكيم


الأستاذ الخامسي افتيسي


رغم اختلاف أصحاب السير والمهتمين بقصص الأنبياء في نبوة لقمان
عليه السلام فإنهم أجمعوا أن وصاياه لابنه في السورة التي سميت باسمه من أحكم الآيات وأجملها في بناء الشخصية الربانية الرسالية التي تبني نفسها لغيرها وتنير طريقها ليسير فيه معها آخرون .
لقمان هذا زاده الله شرفا أن جعل كلامه وصايا ضمن آيات القرآن الكريم وزاده الله مكانة لأنه أثاه الحكمة فشكر " ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه "
وزاده الله حكمة أن كانت هذه الوصايا لابنه وفلذة كبده ومن ورائه أبناء المسلمين . في ثمان آيات محكمات في سورة لقمان تلمس منهج الأنبياء في التكوين وطريقة الآباء في التربية والتلقين، وصايا جمعت اللبنات الأساسية لبناء الشخصية المتوازنة فاهتمت رغم قلتها بالأسس التي تنمي الجوانب الشخصية التي يرجع نفعها على الذات إضافة إلى الجوانب التي تجعل من هذه الذات شخصية رسالية ينتقل نفعها إلى غيرها .
ومن خلال التمعن في هذه الوصايا تجد الاهتمام بالجانب العقدي أولا حيث لم يخفى على لقمان أنه القاعدة الأساس التي يثبت عليها كل بنيان، وأنها أول ما يوضع في كل صرح خصوصا إذا كان هذا الصرح يهدف إلى تكوين شخصية رسالية قوية ينتظرها حمل ثقيل وطريق شاق طويل " إن سنلقي عليك قولا ثقيلا " وهذا ما قصدت إليه الآية والتوجيه الأول والوصية الأولى " يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " فالقلب الذي يعمره الشرك لا يستوعب التوحيد والنفس التي يخالطها الشرك لا تستطيع حمل الرسالة، إنه ظلم عظيم، هكذا وصفه الله تعالى وهكذا أوصى لقمان، أي شيء في القرآن يصفه الله بالعظيم فهو بالفعل عظيم، ويجب إن كان شرا أن نتجنبه " إن الشرك لظلم عظيم "

أو كان خيرا أن نتمسك به " فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما " " ومن يشرك بالله فقد أفترى إثما عظيما "
" ثم للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم " بل علمه أن يتجنب هذا الشرك وهذا الإثم العظيم ولو كان الداعي إليه أبويه إذا أوصاه بعصيانهما إذا أمراه بالشرك " فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " وإن كانا والديه"
ومما يعزز غرس العقيدة الصحيحة في النفس وتمكينها من درجة اليقين تعريفها بربها عز وجل وأسمائه وصفاته ونعمه وآلائه وقدرته وجبروته، إذ يعطيها اليقين والطمأنينة والصدق فقال له : " يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير "
إن من أخلاق الشخصية الرسالية والأساسيات التي تنبني عليها : صفاء العقيدة من شوائب الشرك وامتلاء القلب بحب الواحد الأحد فهذه الدعامة التي تسند عليها جميع الدعامات، والمسلم الرسالي لا بد له من هذه الدعامة ولا بد له من تعهدها في كل وقت .
وبعد وضع اللبنة الأساس والقاعدة الصلبة يبدأ لقمان من خلال وصاياه في وضع اللبن وترصيص الجدار ولعل أولى هذه التوجيهات الحكيمة " بر الوالدين " " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولولديك إلي المصير " إنها وصية الحكماء ، لم يوجهها لابنه فقط بل وجهها لكل إنسان " ووصينا الإنسان " كل الإنسان .
وإنها الرسالية في أبهى صورها الرسالية نحو الأبوين، فكما تجلت الرسالية في لقمان اتجاه ابنه الذي يوصيه ويعلمه، فكذا يجب أن تتجلى في الابن اتجاه والديه ، ذلك أن كثيرا من الدعاة يهتمون بالدعوة والتبليغ في الأبعدين ويغفلوها في الأقربين " وأنذر عشيرتك الأقربين " وتأتي بعدها " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " فالرساليون أول من ينتفع برسالتهم أبنائهم وآبائهم تم الأقرب فالأقرب ولهذا تجد كثيرا من الأنبياء آبائهم أنبياء وأبنائهم كذلك لأنهم عملوا فيهم قبل أن يعملوا في غيرهم فهذا إسماعيل من إبراهيم وهذا يعقوب من إسحاق ومنهم اصطفى يوسف علهم السلام جميعا ،إنه اصطفاء الله واختياره وإنها عناية الآباء بالأبناء ولقمان يقتفي أثر إبراهيم وذريته في صناعة الأنبياء والحكماء، وكم ستكون الثمار ناضجة والنتائج باهرة إذا تتبعنا خطوات لقمان في هذه الصناعة وتعلمنا منه هذه الرسالية هو يمارسها في ابنه وفلذة كبده بل يوصيه بها ويرشده إليها .
وبر الوالدين وطاعتهما قمة الرسالية بالقدوة الصامتة التي تترجمها سلوكات الأبناء نحو أبائهم فإن كان كثير كلامنا عن تأثير الآباء في أبنائهم من خلال أساليب تربيتهم فكذلك تأثير الأبناء في آبائهم من خلال برهم وطاعتهم ولهذا تكررت الآية في ثلاث سور بالصياغة الآتية : " ووصينا الإنسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتها علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ". الاحقاف 15
" ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير" (لقمان 14 )
" ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهدك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم " العنكبوت 8
وانتهت كلها بالأمر بالمعاملة بالمعروف بالعبارات المختلفة الآتية :
" أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير " (لقمان 14
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا " العنكبوت 08
أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتها علي وعلى والدي " الأحقاف 15
ولعلنا وصلنا إلى الآية التي تتجلى فيها قمة الرسالية " يابني أقم الصلاة وآمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر عل ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور "
قال القرطبي : وصى ابنه بعظم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... " واصبر على ما أصابك " يقتضي تغيير المنكر وإن نالك منه ضرر .
قال ابن كثير :" لأن الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى فأمره بالصبر "
قال الطبري : " وأنهى الناس عن معاصي الله ومواقعة محارمه واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالمعروف ونهيتهم عن المنكر، ولا يصدنك عن ذلك ما نالك منهم "
قال البغوي : " واصبر على ما أصابك " يعني من الأذى " إن ذلك من عزم الأمور " يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى فيهما "
قال السعدي " وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به والعلم بالمنكر لينهى عنه ... من الرفق والصبر ... وكونه فاعلا لما يأمر به كافا عما ينهى عنه، فتضمن هذا تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك بأمره ونهيه . ولما علم أنه لا بد أنه يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس أمره بالصبر على ذلك ..." ولعل تفسير السيد في الظلال أضفى على موقف لقمان في هذه الآية ظلالا وارفة ونفحات عبقة تجلت في جمالية التعابير التي ساق بها هذا الموقف، وحتى أترك القارئ يتفيأ هذه الظلال يستنشق هذه النفحات أسرد هذا المقطع رغم طوله لأهميته وتعبيره القوي عن الفكرة التي أحببت إيصالها قال رحمه الله : .... بعد الإيمان بالله لا شريك له واليقين بالآخرة لا ريب فيها والثقة بعدالة الجزاء لا يفلت منه مثقال حبة من خردل ... فأما الخطوة التالية فهي التوجه إلى الله بالصلاة والتوجه إلى الناس بالدعوة.... والصبر على تكاليفها ومتاعبها ... وهذا هو طريق العقيدة المرسوم توحيد الله وشعور برقابته وتطلع إلى ما عنده وثقة في عدله وخشية من عقابه ثم انتقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع الشر بالزاد الأصيل زاد العبادة لله والتوجه إليه بالصلاة ثم الصبر على ما يصيب الداعية إلى الله من التواء النفوس
وعنادها وانحراف القلوب وإعراضها، ومن الأذى تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي ومن الابتلاء من المال والابتلاء من النفس عند الاقتضاء " إن ذلك من عزم الأمور " وعزم الأمور قطع الطريق على التردد فيها بعد العزم والتصميم "
انتهى كلام السيد قطب رحمة الله عليه وسأعود له بعد إشارات خفيفة في موضوع الرسالية من خلال هذه الآية المحورية " يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من
عزم الأمور " لقد أكد علماء التربية في موضوع التغذية الراجعة أن الرسالة تحتاج إلى مرسل ومرسل إليه وتحتاج الرسالة وطرفي التواصل معا إلى مواصفات لنجاح عملية التواصل وتحقيق الأهداف من الرسالة إن هذه الفكرة تصدق كثيرا على الرسالية التي نتحدث عنها في هذا البحث وهذه الرسالية لكي تنجح تحتاج إلى مواصفات لا بد من توفرها في الداعية " المرسل " والمدعو " المرسل إليه " وطبعا توفرها في الرسالة لأن دين الله كامل وتتوفر فيه كل مواصفات الكمال والجمال وفي هذه الآية الكريمة مواصفات المرسل التي لا بد منها ليضمن نجاحه في حمله الرسالة وبدون هذه المواصفات لن يستطيع أن يوصل الرسالة ولن يؤثر في المرسل إليهم، وقد ذكر كثير من العلماء والدعاة الأوصاف التي وردت في هذه الآية وهم يكتبون عن مواصفات الداعية الناجح " إقامة الصلاة التي هي مصدر قوة الداعية في عقيدته وأخلاقه وعبادته وسلوكه ثم الرسالة التي يحملها والتي هي أوامر ونواهي وحتما من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لا بد أن يصيبه الأذى فعليه أن يصبر ويحتسب ثم يستمر في دعوته ويواظب على رساليته وهذا هو العزم الذي انتهت به الآية " إن ذلك من عزم الأمور " قال الشهيد في تفسير تتمة هذه الآية وبداية الآية الموالية " ويستطرد لقمان في وصيته التي يحكيها القرآن هنا إلى أدب الداعية إلى الله، فالدعوة إلى الخير لا تجيز التعالي على الناس والتطاول عليهم باسم قيادتهم إلى الخير هذه آداب الرسالية وآداب صاحبها التواضع الجم وخفض الجناح وترك الاختيال والخيلاء ويتجلى ذلك في قوله تعالى على لسان الأب الحكيم : " ولا تصعر خذك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور " وتصعير الخد والمشي المختال والفخر الذي يفيد التكبر والاستكبار أخلاق مذمومة في عامة الناس فكيف بخاصتهم وهذا أكده القرآن في مرة أخرى في سورة الإسراء ( 37 ) : " ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا " وقد أورد ابن كثير رحمه الله حديثا وصفه بالغريب واستدل به في ذم التكبر والخيلاء والترفع على الناس فقال : وفي الحديث : من تواضع لله رفعه في نفسه صغير وعند الناس كبير ومن استكبر وضعه الله فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير حتى لهو أبغض إليهم من الكلب أو الخنزير – رواه أبو نعيم في الحلية وغيره قال وفيه سعيد بن سلام كذاب .
– أي بني – إنها الأخلاق التي تجلب محبة الناس لك وتهفو قلوبهم وعقولهم نحوك وتفتح آذانهم وأبصارهم وبصائرهم تجاهك .
إن وصايا لقمان ليست لابنه فقط وهذا سر خلودها في القرآن إنها وصايا أصحاب الرسالات جميعا، إنها مصابيح الهدى تنير للدعاة الطريق كما أنارت للرسل قبلهم " اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " طه 43 " فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين " القصص 29 " وما أرسناك إلى رحمة للعالمين " الأنبياء 107 .
هذه نماذج لأخلاق الأنبياء أوصى بها لقمان ابنه في شكل سلوكات وتحركات بين الناس ترسخ أخلاق التواضع والرحمة وتنبذ التعالي والاستكبار والعنف، هذه هي الأخلاق التي تجعل رسالتك إلى الناس تلقى القبول، فتنفتح القلوب المغلقة، وتصقل الأفئدة الصدئة .

والله أكبر ولله الحمد

ذ. الخامسي افتيسي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
أســـس الرسالية من خلال وصايا لقمان الحكيم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البرنامج التربوي الرسالي :: الصفحة الرئيسية :: مكون دروس البرنامج :: صفة المسلم الرسالي-
انتقل الى: