كل مايتعلق بالبرنامج التربوي الرسالي لحركة التوحيد والإصلاح المغربية.
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التربية في الأسرة المغربية: لقاح وتلاقح

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أسماء

avatar

انثى عدد الرسائل : 22
العمر : 32
تاريخ التسجيل : 23/03/2008

مُساهمةموضوع: التربية في الأسرة المغربية: لقاح وتلاقح   الإثنين أبريل 07, 2008 1:36 pm

التربية في الأسرة المغربية: لقاح وتلاقح

الدكتور محمد بنينير

: نواة الأسرة المغربية والتربية ـ التربية الأسرية صمام أمان ـ محبة الرسول واتباعه ـ حب الوطن ـ حب الوالدين.

نواة الأسرة المغربية والتربية

يعتبر نظام الأسرة في مجتمعنا المغربي قاعدة أساسية لبناء المجتمع لا يمكن الاستغناء عنها، ولا يمكن استبدالها بغيرها، ولا يمكن تغيير صورتها النمطية التي أقرتها الأعراف الاجتماعية الفطرية لما قبل الإسلام، ثم توطدت وترسخت مع مجيء الإسلام وشريعته الغراء، ومن ثم فالأسرة المغربية تتكون في وحدتها الأساسية الصغرى من الأب (الزوج) والأم (الزوجة)، ثم تتوسع لتشمل مختلف الأقارب من أجداد وأعمام وأخوال وأبنائهم وغير ذلك، بل إن النظام القبلي في المغرب ظل لفترة طويلة تمثل فيه القبيلة نموذجا لأسرة كبيرة تتلاحم فيها صلات ووشائج القرابة بين أبناء وبنات العمومة والخؤولة، وأحيانا تمتد صلات القرابة هذه لتقرب القبائل المتباعدة فيما بينها، وهذا كله يمثل أحد تجليات مبادئ الإسلام الاجتماعية التي ترسخت في حياة المغاربة من قديم الأزمان، كما عبرت عنها آيات القرآن الكريم في قول رب العزة سبحانه: «يَا أَيُّها الَنَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكًمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ، إِنَّ اللهَ عَليمٌ خَبيرٌ»(1)، وفي قوله أيضا: «وَهُوَ الَّذي خَلقَ مِنَ الْماءِ بَشراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وصِهْراً، وكانَ رَبُّك قَديراً»(2).
ومن ثم، فإن نواة الأسرة شكلت محضنا للتربية باعتبارها المدرسة الأولى التي يُنَشَّأً فيها الأولاد والبنات، ويرضعون فيها من لبان التربية مختلف القيم الإسلامية المغربية عربية وأمازيغية، لأن الإسلام صهر في بوتقته كل القيم الإيجابية التي كانت عند العرب والأمازيغ، بعد أن أسسها على القيم الربانية النابعة من العقيدة الإسلامية وشريعتها السمحة، وهذا ما عبر عنه المصطفى عليه الصلاة والسلام في قوله «إنما بُعثتُ لأتممَ مكارمَ الأخلاقِ»، ومن هنا يتضح مدى التداخل والتلاقح الفكري والتربوي الذي عرفته القيم الأسرية في مجتمعنا المغربي، والذي تشكل نسيجه غبر مئات السنين وأفرز لنا نموذجا حضاريا إسلاميا مغربيا بكل ما فيه من العناصر الثقافية العربية والأمازيغية، تنضاف إليها عناصر أخرى مكملة وافدة من ثقافات البحر الأبيض المتوسط وعلى رأسها الثقافة الأندلسية الإسلامية، ثم المؤثرات الإفريقية الصحراوية والزنجية، ومن ثم صار الكيان التربوي للأسرة المغربية الإسلامية أشبه ما يكون بجسد الطاووس الجميل والمزركش والذي تتداخل فيه جل الألوان في تناسق وتناغم قل نظيره في المجتمعات الأخرى.
وفي ظل التدافع الحضاري المعاصر، وبروز نزعة الهيمنة والتمركز حول نظام تربوي معولم ومنغلق وإقصائي، ورافض لكل الثقافات الأخرى، ينبغي أن يزداد تشبثنا بنظامنا التربوي الأسري المغربي الإسلامي باعتباره يقوم على قيم ربانية كونية عظيمة استوعبت التجارب الفطرية الإنسانية منذ فجر التاريخ، وتجارب مختلف الشرائع السماوية لما قبل الإسلام، كما اندمجت فيها مختلف العناصر الإقليمية المحلية ثم الإنسانية العالمية، ثم إن هذا النظام لا زال منفتحا على كل القيم الإيجابية الممكن إنتاجها أو استيحاؤها من الغير شريطة ألا تتعارض مع أصوله وهويته الدينية والثقافية المجمع عليها بين مختلف طوائفه ومكوناته، ومادام أنه نظام كوني رباني فإنه أكثر صلاحية من غيره وأقدر على التفاعل مع كل نظام آخر يزعم الكونية المفتعلة والشمولية المزيفة، بشرط احترام الندية في التفاعل والتعامل، واحترام الخصوصيات التي تميز كل نظام ومجتمع.

التربية الأسرية صمام أمان
لقد ظلت الأسرة المغربية لحقب طويلة مضت متلاحمة ومتماسكة بفضل القيم التربوية التي آمنت بها، وذلك ما ساهم في إعطاء المجتمع المغربي خصوصيته الاجتماعية التي تميزت بالحفاظ على وحدته وهويته واستقلاله، وفي ظل هذا الجو كان ينشأ أولاد وبنات المغرب تنشئة متوازنة تفتح بصيرتهم على ذواتهم، ثم على المحيط المحلي والإقليمي القريب منهم، ثم على المحيط العربي الإسلامي الذي يربطهم بأمتهم الواسعة، ثم على المحيط الإنساني العالمي الشاسع، وبذلك شكلت التربية الأسرية المغربية صمام أمان في حياة أبنائنا، لأنها كانت تحقنهم منذ المراحل الأولى من حياتهم بالقيم الإيجابية التي تشكل عقليتهم، ونفسيتهم، وأخلاقهم وسلوكهم، حيث يُنَشَّؤونَ أولا على عقيدة الإيمان بالله وتوحيده، والتوكل عليه، والاستعانة به في جميع أمورهم، وهذا ما كان يزودهم بطاقة روحية ونفسية عميقة تسعفهم في جميع الحالات والمواقف، وتمدهم ببوصلة الطريق التي لا تتركهم يتيهون هنا أوهناك، وحتى إذا ما تاهوا فهي تذكرهم دائما بالاتجاه الصحيح للعودة، وكلما قرروا العودة ـ
وسرعان ما يعودون ـ أبصروا طريق الرجوع بكل وضوح مصداقا لقول رب العزة «وَالَّذينَ إِذا فَعلوا فاحِشَةً أو ظَلَموا أَنْفُسَهُمْ ذَكَروا اللهَ فَاسْتَغْفَروا لِذُنوبِهِمْ، ومَنْ يَغْفِرُ الذُّنوبَ إِلَّا اللهَ، ولمْ يُصِرُّوا على ما فَعَلوا وهُمْ يَعْلمونَ»(3)، وفي قوله «إِنَّما التَّوْبَةُ على اللهِ لِلَّذينَ يَعْمَلونَ السُّوءَ بِجهالةٍ ثُمَّ يَتوبونَ مِنْ قَريبٍ، فَأولئِكَ يَتوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وكانَ اللهُ عَليماً حَكيماً»(4).

محبة الرسول واتباعه
وبعد الإيمان بالله ومحبته يربى النشء في الأسرة المغربية على محبة الرسول واتباعه باعتباره المعلم والمربي القدوة الذي لا تزل أقدام من سار وراءه ونهج نهجه، وقد بلغت محبة المغاربة للنبي وآل بيته حدا يتجاوز كل وصف(5)، واصطبغت هذه المحبة بصبغة خاصة لبعد بلاد المغرب عن المشرق مهد الإسلام وحضارته ومسرح مآثره العظيمة كالمسجد الحرام، ومسجد الرسول وقبره، حيث يعظم الشوق ـ وتعظم معه المحبة ـ إلى زيارة هذه المآثر كعنوان لهذا الحب، حتى إن كثيرا من الناس لا يفهمون معنى للحج إلا في سياق ربطه بزيارة قبر النبي ، رغم أن هذه الزيارة هي فائدة إضافية يستفيدها الحاج من سفره لأداء مناسك الحج وليست هي من المناسك في شيء. ومما زاد حب النبي درجة زائدة في نفوس المغاربة قدوم آل البيت رضوان الله عليهم وتأسيسهم لأول دولة مغربية مسلمة على الكتاب والسنة على يد المولى إدريس الأول رحمه الله ورضي عنه، وقد اتخذ حب آل البيت ومبايعتهم صورته الصحيحة على يد المغاربة لأنه لم يختلط بآراء التشيع وبدعه الفاسدة التي عرفها المشرق العربي، بل إنه تأسس على الكتاب والسنة وحب جميع الصحابة رضوان الله عليهم ابتداء من الخلفاء الراشدين وعلى رأسهم الشيخان أبو بكر وعثمان، ثم علي وعثمان رضوان الله عليهم جميعا. وتتجلى محبة النبي وآل بيته وجميع صحابته في التربية الأسرية المغربية في مختلف مراحل التنشئة الاجتماعية من مرحلة الكُتَّاب إلى مرحلة الزواج حيث تشهد احتفالات الزواج أهازيج وأمداحا في حب النبي وآل بيته وصحبه رضوان الله عليهم. وإذا ما استثنينا أخطاء بعض العوام الذين يبالغون أحيانا في إظهار هذا الحب بما يتنافى مع الشريعة التي جاء بها هذا النبي المحبوب ، حيث نجد بعضهم يلجأ إلى الاستغاثة بالنبي ، أو الوقوع في بعض البدع المخالفة لسنته إلى غير ذلك، فإن هذا الحب يبقى ثانيا معلما تربويا عظيما لصياغة وجدان ناشئة المغرب وسلوكهم على مر الأجيال:

ويَنْشاُ ناشِئُ الْفِتْيانِ منَّـا **** على ما كانَ عَوَّدهُ أبـوهُ
وما دانَ الْفَتى بِحِجــاً **** ولكنْ يُعَوِّدُهُ التَّدَيُّنَ أَقْرَبوهُ

حب الوطن
أما المعلم الثالث في التربية الأسرية المغربية فهو تنشئة النشء على حب الوطن والمؤمنين من أبنائه، حيث يكون ولاؤه دائما لدينه وأمته، ووطنه وعشيرته، فلا تغريه المطامع مهما كانت، ولا يستبدل انتماءه العقدي والحضاري بغيره، لأنه يشعر بعزة هذا الولاء والانتماء يملك عليه كيانه، ويرفع هامته عاليا، مستحضرا قول رب العزة «وللهِ الْعِزَّةُ ولرَسولِهِ وللمومِنينَ»(6)، ولذلك فقد يصاب في جسمه وماله ولا يأبه لذلك ما دامت قيمه العليا التي يؤمن بها سليمة لم يمسسها سوء:

يهونُ علينا أنْ تُصابَ أَجْسامُنا **** وَتَسْلَمَ أَعْراضٌ لنا وعُقولُ

وإذا ما امتلك الصحة والعافية والمال وكل وسائل القوة والحياة فإنه يسخرها في خدمة المبادئ التي يؤمن بها:

أَصونُ عِرضي بمالي لا أُضيعهُ **** لا باركَ اللهُ–بعدَ العرضِ-في المالِ

وحتى في أحلك اللحظات حينما يتعرض للظلم من طرف الأهل والأقربين فلا يسعه إلا أن يردد مع الشاعر:

بلادي وإن جارت علي عزيزة **** وأهلي وإن ضَنُّوا عليَّ كرامُ.

والتعلق بالوطن وأهله عند الإنسان المغربي المسلم هو ارتباط شامل بكل أفراد هذا الوطن مسلمين كانوا أو غير مسلمين، ولذلك كانت قيمنا التربوية الأسرية قيم تعايش بين الجيران بمختلف طوائفهم وتلاوينهم العرقية والدينية والمذهبية، وقد عاش المسلمون المغاربة بمختلف أعراقهم، عربا وأمازيغ وزنوجا ومورسكيين، سنين طويلة في تعايش وتساكن مع الطائفة اليهودية الأكثر تمثيلا في المغرب من أي طائفة أخرى غير إسلامية، وما نجده أحيانا في الثقافة الشعبية المغربية من أقوال وأمثال فيها تحقير لما هو يهودي أو نصراني، فهو يعكس فقط الموقف العقدي السابق ذكره والقائم على التوحيد والرافض لكل المعتقدات الباطلة كيفما كان نوعها، لأن المسلم يمقت في الكافر كفره وانحرافه عن الحق، كما أن الكافر أيضا يمقت في المسلم إيمانه وتوحيده لله «وإذا ذُكِرَ اللهُ وحدهُ اشْمَأَزَّتِ قلوبُ الَّذينَ لا يومنونَ بِالآخِرَةِ»(7)، إلا أن المغاربة عاشوا مع جيرانهم اليهود على روح التسامح وعاملوهم معاملة الود والرحمة كما فهموها من تعاليم الإسلام العظيمة، حيث ساكنوهم وآكلوهم, وتبايعوا معهم، وحفظوا حرمة ممتلكاتهم باعتبارهم أهل ذمة وكتاب. ولا يطعن في ذلك حوادث استثنائية وقعت هناك أو هناك يكون قد ظلم فيها بعض اليهود من طرف المسلمين أو العكس، لأن حوادث الظلم والتظالم لا يخلو منها أي مجتمع لأنه حتى بين المسلمين يحدث ذلك مرارا، لكن الحكم على الأشياء يكون بما غلب عليها لا بالحوادث الاستثنائية المتفرقة.

حب الوالدين
أما المَعْلَمُ الرابع في هذه التربية فهو حب الوالدين والتعلق بهما الذي بلغ هو الآخر عند بعض عوام الناس درجة من القداسة تجاوزت الحدود الشرعية، حيث يستغيثون بالوالدين وقد يجعلون رضاهم فوق رضا الله ويعتقدون فيه النفع أكثر مما يعتقدونه في طاعة الله، ويغفلون عن قول الله عز وجل «وإِنِْ جاهَداكَ على أَنْ تُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما، وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْروفاً»(Cool، ومثل هذه الظواهر هي انحرافات يجب معالجتها في تربيتنا الأسرية، لكن إذا ما تجاوزنا أخطاء العوام في تربيتنا وجدنا أن التعلق بالوالدين هو من أصول الدين والأعراف التي ترسخت في الأسرة المغربية وجعلتها متماسكة ومتلاحمة ومتراحمة.
ولقد أصبح جانب التكافل في الأسرة المغربية تقليدا راسخا عبر التاريخ بفضل الدور التربوي والاجتماعي الذي يقوم به الوالدان داخل هذه الأسرة، وتقوم الأم على الخصوص بدور مركزي في هذه العملية بسبب التوجيهات الدينية التي نصصت على مكانة الأم حتى جعلت الجنة تحت أقدام الأمهات، وبسبب العاطفة الجياشة للأم التي تحيط بها غالبا كل أبنائها بدون استثناء، وبسبب ما يتميز به النساء من طول في الأعمار مقارنة مع الرجال في غالب الأحوال، حيث تسهر الأمهات على الأسر بعد وفاة أزواجهن فتبقى الأم هي الحاضنة للأسرة إلى وفاتها، وقد عبر حافظ إبراهيم رحمه الله عن هذه الحقيقة في قوله:

الأُمُّ مدرسةٌ إذا أعْدَدْتَهـا **** أعددتَ شعباً طيبَ الأعراقِ

وقد طاب عرق الشعب المغربي عبر التاريخ بسب أمهاتنا الصالحات اللائي عانين وكابدن كثيرا من أجل بناء صرح الأسرة المغربية والحفاظ على هويتها وقيمها السامية. فجزاهن الله عنا خير الجزاء.

تنشئة الفتاة المغربية
والمعلم الأخير وليس الآخر الذي أريد الوقوف عنده هو التنشئة الخاصة التي كانت تنشأ عليها الفتاة المغربية، والتي تبدأ من التربية على العفة والفضيلة والحياء، ثم على العمل داخل بيتها وحسن التدبير فيه والعطاء بعد زواجها، رغم ما سجل في حقها من قصور في التعلم من طرف المجتمع، وهو قصور مس الفتيان والفتيات قديما، لكن الفتاة تضررت منه أكثر بسبب الأوضاع التي سادت قديما، وتحكمت فيها بعض الأعراف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أعطت الأولوية للرجل في حق التعلم، وأهملت المرأة إلا في حالات نادرة، ومع ذلك فرغم طغيان الأمية النسائية في صفوف بنات المغرب قديما، فلا أبالغ إذا قلت إن الفتاة المغربية كانت أوفر حظا في تربيتها من كثير من الفتيان، لأنه كان دائما ينظر إلى الفتاة المغربية على أنها مشروع أم مستقبلية –وقد عرفنا الدور الخطير للأم داخل الأسرة المغربية- وينبغي أن تعد لهذا الأمر، حتى تنال الرضا والقبول عند زوجها وأسرته أولا، ثم عند أسرتها، ثم عند المجتمع كافة، وقد حفظت لنا الثقافة الشعبية العربية والمغربية كيف كان الأمهات ينشئن بناتهن ويزودنهن بالوصايا والحكم التي تجعلهن ناجحات وسعيدات في بيوتهن، وقد كانت الفتاة تضحي كثيرا من جهدها البدني والنفسي لتسعد زوجها وأسرته أولا حيث تقوم على خدمتهم جميعا رغم أنها ليست ملزمة بذلك إلزاما شرعيا، وإنما هو إلزام عرفي فقط للحفاظ على تماسك الأسرة واستقرارها، وأستثني دائما المبالغات التي يحدثها عوام النساء والرجال، والتي جعل بعضها المرأة داخل بيتها في وضعية أسوأ من وضعية الرق. أما تضحيتها مع أسرتها الأصلية فكانت تكلفها التنازل عن بعض حقوقها كحقها في الإرث، وهو أمر مخالف للشرع، لكن المرأة كانت تضطر إليه حتى تحافظ على علاقتها مع أسرتها التي تسندها من خلفها خاصة في حالة النزاع مع زوجها وأسرته الذي قد يفضي إلى طلاقها ورجوعها إلى بيت أبيها، ولذلك فبقدر ما تتماهى مع أسرة زوجها لإرضائه وإسعاده، تحافظ على وشائج قرباها مع والديها وإخوتها، ورغم كل التضحيات تجدها سعيدة كلما لاقت النجاح في حياتها مهما كلفها ذلك من ثمن.

لقاح وتلاقح
إن هذه القيم التربوية الأسرية المغربية التي تشكلت في ظل التشبث بأصول الهوية المغربية الدينية والثقافية، والتي تلاقحت فيها عناصر وعوامل مختلفة آتية من الدين واللغة والتاريخ والجنس والإقليم، هي التي شكلت اللقاح والمصل التربوي الذي كان يلقح به أبناؤنا وبناتنا، ويمدهم بالمناعة الفكرية والوجدانية والسلوكية التي تجعل منهم شعبا موحدا في ثقافته وقيمه التربوية ومتشبثا بهويته الدينية والثقافية والاجتماعية، وفي نفس الآن منفتحين على ما يحيط بهم من ثقافات أخرى انفتاح المفيد والمستفيد، وهذا ما جعل المغرب معبرا حضاريا لحمل قيم الإسلام التربوية والحضارية إلى أوربا شمالا في الأندلس، والصحراء وإفريقيا جنوبا، وهذا ما يلقي علينا اليوم تبعة الحفاظ على هذه القيم في صورتها الإيجابية التي بلورها العقل المغربي الواعي والمتبصر، دون إغفال جانب مراجعتها لتخليصها من بعض الشوائب التي علقت بها، ثم الانفتاح بها على الواقع الحديث والمعاصر لإحداث طفرات تلاقحية جديدة تعزز جانب هذه القيم، وتجعلها في خدمة مجتمعنا والإنسانية جمعاء.
والسؤال الكبير الذي يواجهنا اليوم ويؤرقنا معشر الآباء والأمهات والمربين، هل مجتمعنا بالفعل لا يزال يتمتع اليوم بحصانته التربوية المتمثلة في هذه القيم العظيمة أمام القيم الغربية الوافدة والغازية لمجتمعنا المغربي الإسلامي؟ والتي نشاهد اليوم كثيرا من تداعياتها السلبية في أخلاق أبنائنا وسلوكهم المنحرف والجانح نحو التمرد على قيم العفة والاستقامة، فهل هي سحابة صيف سرعان ما ستنقشع كما انقشعت كثير من سحب الاستيلاب في حياتنا المعاصرة؟ أم هي أمراض أصبحت تنخر مجتمعنا المغربي وتهدد كيانه التربوي والحضاري الذي ضمن وجوده واستقلاليته عبر التاريخ؟ وهي أسئلة أصبحت اليوم تؤرق مختلف المربين والدارسين والباحثين، ونسأل الله أن يفعل خيرا بمجتمعنا، والحمد لله رب العالمين.


الهوامش:
1-سورة الحجرات: آية 13
2-سورة الفرقان: آية 54
3- سورة آل عمران: آية 135
4- سورة النساء: آية 47
5-انظر المقدمة الجيدة التي قدم الدكتور فريد الأنصاري للكتاب رقم 50 من سلسلة منشورات الزمن تحت عنوان "في محبة المصطفى للقاضي عياض".
6- سورة المنافقون: آية 8
7- سورة الزمر: آية 15
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
التربية في الأسرة المغربية: لقاح وتلاقح
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البرنامج التربوي الرسالي :: الصفحة الرئيسية :: مكون دروس البرنامج :: الأسرة المسلمة-
انتقل الى: